عاشوراء المطاط والدقيق: حين نحتفل بإحراق عقولنا قبل العجلات

ضربة قلم
في الوقت الذي تجتهد فيه الشعوب لتُقلّص الفوارق الاجتماعية وتُطوّر الذكاء الاصطناعي، نُصرّ نحن على تقزيم أنفسنا سنويًا، طوعًا واحتفالًا، تحت شعار “عاشوراء ولا عاش اللي ما حرقش”. نحتفل بطقوس لا علاقة لها لا بالدين، لا بالتقاليد، لا بالتراث، ولا حتى بالفطرة السليمة. نعيد كل سنة إنتاج نفس المشهد البدائي: دخان أسود، عجلات محترقة، صراخ، صياح، غبار، ونار مشتعلة في زوايا الأحياء كما لو أننا في فيلم من إنتاج الجهل والكسل الجماعي.
في حي إفريقيا بالدار البيضاء – وهو الاسم الأكثر مفارقة في التاريخ الحضاري – حضرت عناصر الوقاية المدنية ليس من أجل إنقاذ الأرواح، بل لإخماد بقايا احتفال يُشبه هجومًا قبليًا على المنطق. في شوارع هذا الحي وغيره، لا تجد سوى جماعات من الأطفال والمراهقين (وأحيانًا شباب من ذوي اللحى الخفيفة والعضلات المنفوخة)، وهم يتبادلون “الهجوم بالدقيق” وكأنهم في معركة بيضاء ضد كل ما تبقى من العقل.
لم تعد تستهويهم المياه والنيران كما في الزمن الجميل – حين كان الأطفال يكتفون بدلو ماء وحطب صغير – لا، الآن المعركة أكثر تطورًا! هناك تنسيق لوجستي لحرق العجلات، وهناك ميزانيات سرية لشراء “شكاير الدقيق” وتحويلها إلى قنابل طحين. هل تجرؤ أن تمر بجانبهم وأنت ترتدي قميصًا نظيفًا؟ مستحيل. سيعتبرونك هدفًا متحركًا لمجزرة من الغبار الأبيض، وستخرج من هناك وكأنك سقطت في مطحنة عشوائية لصناعة الحلويات الشعبية.
أما الكبار، فبعضهم يشارك بصمت، والبعض الآخر يراقب المشهد من خلف الستائر وهو يردد: “هاد الجيل ما فيه خير”. وكأن الجيل السابق هو الذي أهدانا الكهرباء والطب النووي! نسينا أن المشكلة ليست في “الجيل”، بل في تكرار الفكرة نفسها على مدى عقود: أن عاشوراء ليست مناسبة دينية بل موعد مع الفوضى المقننة. موسم سنوي يختلط فيه الغباء بالعادات، وتُزين فيه العشوائية وجه المدينة المحترق.
نحن لا نحتفل، نحن نحترق! نحترق بالبلاهة، نحترق بالفراغ، نحترق بفكرة أن التخلف نوع من المقاومة الثقافية. نخرج في عاشوراء لا لنحتفل، بل لنثبت أننا ما زلنا في مرحلة ما قبل الحضارة، نلوك الرماد ونستنشق المطاط، كأننا في حفلة تنكرية لأشباح العصور الحجرية.
وكلما تدخلت السلطات أو رجال الوقاية المدنية، يُنظر إليهم كأنهم أعداء الفرح، مع أنهم في الواقع رجال إطفاء لا لهيب النيران فقط، بل لهيب الغباء المجتمعي أيضًا. هم يتعبون، والحيّ يحترق، ونحن نصفق ونقول “عاش عاش عاشوراء” دون أن ندري أننا نهتف لتأخرنا الحضاري ونصفق لنهاية عقولنا.
وبعد كل شيء، نسأل أنفسنا: لماذا تتقدم الأمم ونحن نراوح مكاننا؟ الجواب بسيط جدًا… لأنهم يحتفلون بالعلم ونحن نحتفل بالحريق.




