عامل إقليم اسفي “ولد الشعب”… نسي الشعب فور جلوسه على الكرسي!

ضربة قلم
ها هي آسفي، مدينة الشهداء والريح البحرية الثقيلة، تفتح فمها هذه الأيام لا لتبتلع البحر، بل لتقذف بالأسئلة التي لا تجد أجوبة، ولتلوك في حلقها مرارة الانتظار، انتظار مستحقات عمال الإنعاش الوطني الذين صاروا، على ما يبدو، يُعاملون وكأنهم زوائد بشرية تُستحضر فقط عندما تكون الحاجة ملحّة للكناسة أو لحراسة شيء ما، ثم يُنسَون كأنهم لم يكونوا. هؤلاء “المساكين”، بالمعنى الحرفي للكلمة، صاروا اليوم مادة خصبة لكل دردشة في المقاهي والأسواق والشوارع وحتى في طوابير المخابز التي لم تعد تبيع خبزاً بقدر ما تُصّدر أنيناً.
الغريب والعجيب، أو لِنقل المهين والمستفز، أن هذه الفئة الكادحة لم تكن تطالب بشيء خارج المنطق، لا تطالب بترقية، ولا بتعويضات عن الأخطار، ولا بعلاوات عن الثلج والمطر، بل فقط بمستحقاتهم التي تتأخر كل شهر، وكأن “العامل الجديد” – الذي استُقبل بمزيج من الأمل والخشوع لأنه من “أصول شعبية” – قد جاء ليُعيد كتابة تعريف الصبر بصيغة أسفية محضة: صبر مع تجويع رسمي.
منذ أن وطأت قدماه أرض آسفي قادماً من ثكنة عين حرودة، وألسنة الناس تردد: “ولد الناس، عارف المعاناة، راه عاشها”، لكن ويا للأسف، يبدو أن المعيشة القاسية التي ذاقها في صغره تحوّلت عنده إلى مادة دراسية في فنون التغافل الرسمي. فبدلاً من أن يكون أقرب إلى هموم “ولاد الشعب”، صار أكثر بُعداً من الحيط نفسه.
وعيد الأضحى الأخير؟ آه، تلك المسرحية الباهتة التي نُسيت فيها فئة الإنعاش إلى أن مرّت المناسبة بجلدها وشحمها وعيديتها، ليُقال لهم بعد أسبوعين: “هاكم مستحقاتكم”، وكأنهم أطفال مشاغبون يُعاقَبون بحرمانهم من الحلوى حتى يتعلموا الطاعة. ولولا خشية بعض المسؤولين من أن يلتقط الإعلام رائحة الشواء بلا لحم، لما تذكر أحد أن هناك بشراً ينتظرون “الدوفر” كي يذبحوا ولو مجرد دجاجة.
لكن فلنكن واقعيين، ربما مشكلتهم أنهم لا يرفعون الصوت، لا يحرقون عجلات، لا يعتصمون، فقط يعملون بصمت… وما أسوأ الصمت حين يكون في حضرة سلطات اعتادت ألا تتحرك إلا حين يعلو الدخان!
فهل يريد هذا العامل أن يُسجل اسمه في سجل “أكثر من ساهم في تكريس البؤس الإداري”؟ أم أن هناك استراتيجية مكراء، لا نفهمها نحن العوام، تهدف إلى تعليم هؤلاء الكادحين معنى الانضباط عبر الجوع المؤجل؟
آسفي تتكلم، بل تصرخ، ولكن يبدو أن الصرخة لا تصل إلا إلى الجدران. أما العامل، فيبدو أنه لا يزال عالقاً في لحظة المجد التي التُقطت له حبعد قدومه من عمالة خنيفرة ولن نزيد،حيث تسلّم منصبه، وهو لا يعلم أن اللقطة انتهت… لكن الواقع، الواقع لم يُقطع بعد، ولا يزال العمال في لقطة الانتظار الأبدي.
فمن يوقظ “العامل النائم الذي يظن نفسه خير الماكرين” قبل أن تتحول آسفي كلها إلى ثكنة انتظار جديدة؟





Earn up to 40% commission per sale—join our affiliate program now! https://shorturl.fm/RalwG