عامل المحمدية.. واش ولى أشهر من الوزراء والولاة؟!

ضربة قلم
يبدو، والله أعلم، أن عامل المحمدية، اكتشف أخيراً السر الذي عجزت عن اكتشافه الحكومات المتعاقبة، وفشل في الوصول إليه حتى كبار خبراء التواصل السياسي والإداري:
الظهور أمام الكاميرا!
ليس أي ظهور…
بل ظهور يجعل المواطن، أينما حل وارتحل، يشعر بأن عامل المحمدية، أصبح جزءاً من الديكور الرسمي للحياة اليومية!
تفتح هاتفك…
عامل المحمدية!
تغلقه…
تفتحه من جديد…
عامل المحمدية!
تذهب إلى مهرجان للفروسية…
عامل المحمدية!
تتفرج على اجتماع…
عامل المحمدية!
تدخل إلى مناسبة لا تعرف حتى لماذا أقيمت…
مفاجأة! عامل المحمدية حاضر!
وبدأت المسألة تقترب من مرحلة، أصبح فيها المواطن، يفتح هاتفه لا ليعرف ماذا وقع في العالم، وإنما ليكتشف:
“فين غادي يبان ليا العامل اليوم؟”
بل إن الأمر، لو استمر بهذه الوتيرة، فقد نصل إلى مرحلة يخرج فيها المواطن من بيته صباحاً، فيلتقي بجاره ويسأله:
— صباح الخير، واش شفت العامل اليوم؟
— لا.
— غريبة! قلب مزيان، راه أكيد كاين شي مناسبة!
وهنا لا بد من الاعتراف بأن الرجل، أصبح يمتلك موهبة نادرة في الظهور.
عمال العمالات والأقاليم يجتمعون، يحضرون، يترأسون، يوقعون، يوجهون، ويعودون إلى مكاتبهم.
أما عامل المحمدية، فيبدو أن لديه علاقة خاصة مع الكاميرا.
الكاميرا تراه… وهو يرى الكاميرا… والابتسامة حاضرة دائماً!
حتى أصبح المواطن، يخشى أن يصادفه العامل، في مكان لا علاقة له بالإدارة!
تخيلوا مثلاً أن العامل دخل مهرجاناً للفروسية، وبينما هو يتابع الخيول والبارود، وجد بائعاً للتمور.
يتوقف.
ينظر إلى التمر.
يسأل:
— بشحال هاد التمر؟
البائع يجيب:
— خمسين درهم للكيلو، سيدي العامل.
وفجأة…
طاك!
تخرج كاميرا من مكان ما.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
والعامل يبتسم.
والتمر يبتسم.
والبائع يبتسم.
والكاميرا تبتسم.
وفي المساء، يجد المواطن نفسه أمام فيديو بعنوان:
” عامل المحمدية يتفقد جودة التمور بمناسبة المهرجان!”
وإذا سأل أحدهم:
— واش كان شي اجتماع؟
يجيبه آخر:
— لا.
— واش كان شي مشروع؟
— لا.
— واش كانت شي أزمة؟
— لا.
— إذن علاش خرج العامل؟
— التمر!
وهنا تصبح الإدارة المغربية، أمام اكتشاف إداري جديد:
التمور أيضاً، أصبحت تستحق التتبع الميداني!
ولم يعد المواطن يعرف أين تنتهي مهام العامل، وأين تبدأ مهام الكاميرا.
فكل مناسبة، مهما كانت صغيرة، يمكن أن تتحول إلى مناسبة وطنية لظهور العامل.
مهرجان؟
العامل.
فروسية؟
العامل.
اجتماع؟
العامل.
نشاط؟
العامل.
استقبال؟
العامل.
حفل؟
العامل.
لقاء؟
العامل.
وإذا لم توجد مناسبة…
فالحل بسيط: نبحث عن مناسبة!
لأن الكاميرا، كما يبدو، أصبحت هي التي تحدد رزنامة الحضور!
والأغرب أن كثرة هذه الصور والفيديوهات جعلت الرجل، من حيث لا يدري، يتحول من عامل على رأس إدارة ترابية إلى شخصية يعرفها حتى من لم تطأ قدماه المحمدية!
وقد يأتي يوم يدخل فيه شخص إلى قرية بعيدة، فيسأل أحد السكان:
— واش كتعرّف عامل المحمدية؟
فيرد عليه:
— طبعاً!
— عمرك مشيتي للمحمدية؟
— لا.
— إذن كيفاش عرفتيه؟
— تيطلع ليا فالتلفون أكثر من ولدي!
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لأن المسؤول الإداري، ليس مطلوباً منه أن يكون نجماً تلفزيونياً.
ليس مطلوباً منه، أن ينافس الوزراء في عدد الصور.
ولا أن يدخل في سباق مع الولاة والعمال، حول من سيظهر أكثر.
وظيفة العامل، ليست أن يصبح “إنفلونسر إداري”.
وظيفته أن يدير الشأن الترابي.
أن يحل المشاكل.
أن يتابع الملفات.
أن يسهر على احترام القانون.
أن يكون قريباً من المواطنين عندما يحتاجونه، لا أن يكون قريباً من الكاميرا، عندما تكون موجودة.
فالفرق كبير بين الحضور الميداني والحضور الاستعراضي.
الأول مطلوب.
والثاني، عندما يكثر، يبدأ في طرح أسئلة لا علاقة لها بعدد الصور.
ثم جاءت الانتخابات التشريعية المقبلة لتزيد الطين بلة.
فبدل أن يبقى الحديث فقط عن كثرة ظهور العامل في المناسبات، بدأ بعض المتابعين يربطون حضوره المتكرر بمهرجانات ولقاءات يظهر فيها إلى جانب مرشحين أو أسماء لها علاقة بالمشهد الانتخابي.
وهنا، بطبيعة الحال، تبدأ الهواتف في القيام بعملها المعتاد:
صورة واحدة = ألف تأويل.
لقطة واحدة بجانب مرشح:
“آه! كيدعمو!”
لقطة ثانية:
“آه! كاين انحياز!”
لقطة ثالثة:
“آه! هادي ماشي صدفة!”
ثم يأتي الفيديو الرابع، فيبدأ صاحب الهاتف في بناء نظرية انتخابية كاملة!
وهكذا انتقلنا من:
“العامل كيبان بزاف”
إلى:
“العامل كيدعم مرشحين”
ثم، إذا استمر الحال بهذه الطريقة، لن نستغرب غداً أن نقرأ:
“مصادر مطلعة تؤكد أن عامل المحمدية يفكر في الترشح للانتخابات التشريعية!”
لماذا؟
لأنه ظهر كثيراً!
وهذا منطق عجيب جداً.
فإذا كان الظهور في الكاميرا يؤهل للترشح، فإن بعض المؤثرين عندنا، سيصبحون غداً رؤساء حكومات!
وبعض أصحاب “الستوري” سيصبحون وزراء!
وبعض الذين لا يتركون الهاتف من أيديهم، سيطالبون بتشكيل حكومة على طريقة:
وزارة الريلز، وزارة اللايف، ووزارة التعليقات!
بل إننا قد نصل إلى مرحلة، يصبح فيها معيار الكفاءة الانتخابية هو:
من يظهر أكثر؟
لا من يخدم أكثر.
ومن يبتسم أكثر؟
لا من يحل المشاكل أكثر.
ومن تلتقطه الكاميرا أكثر؟
لا من يراقب المال العام أكثر.
وهنا نقول:
الرجوع لله!
فالمحمدية، ليست استوديو تصوير.
والعمالة، ليست قناة تلفزيونية.
والعامل ليس مطلوباً منه، أن يثبت وجوده للمواطنين بعدد الصور.
المواطن يعرف أن العامل موجود.
ما لا يعرفه هو:
ماذا فعل؟
ماذا تغير؟
ما المشاكل التي حُلّت؟
ما المشاريع التي تعطلت؟
من استولى على الملك العمومي؟
من حمى الملك العمومي؟
من حاسب المخالفين؟
من أنصف المتضررين؟
ومن جعل المحمدية مدينة، يشعر سكانها بأنها تُدار من أجلهم، لا من أجل الصور التي تُلتقط فيها؟
لأن الكاميرا، لا تحل مشكلة.
والابتسامة لا تصلح طريقاً.
والتصوير بجانب المرشحين، لا يبني مدرسة.
والظهور في مهرجان، لا يحل أزمة السكن.
والوقوف أمام الخيول، لا يعالج مشاكل المدينة.
والسلام والتعناق مع هذا وذاك لا يغني عن تطبيق القانون.
ثم هناك شيء أخطر:
حين يكثر ظهور المسؤول، يصبح غيابه عن المشاكل الحقيقية أكثر وضوحاً.
لأن المواطن، يبدأ في المقارنة:
إذا كان العامل قادراً على الوصول إلى كل هذه المناسبات، فلماذا لا يصل بالسرعة نفسها إلى الحي الذي يعاني من مشكلة؟
إذا كان يستطيع أن يظهر في عشرات الصور، فلماذا لا تظهر معه نتائج عشرات الملفات؟
إذا كانت الكاميرا، قادرة على العثور عليه في كل مكان، فلماذا لا يجد المواطن المسؤول عندما يحتاجه؟
وهنا لا نريد أن نظلم الرجل.
فربما يكون الرجل فقط، يحب العمل الميداني.
وربما تكون الكاميرات هي التي تطارده، لا العكس.
وربما يكون بريئاً من كل هذه الشهرة.
لكن، يا صديقنا العامل، الكاميرا لا تعرف النوايا… إنها فقط تعرف كيف تلتقطها!
هي فقط تصور.
والناس فقط تشاهد.
والناس لا تستطيع أن تدخل إلى قلب المسؤول، لتعرف هل كان يبحث عن الكاميرا أم أن الكاميرا، كانت تبحث عنه.
لذلك، إذا كان الرجل بريئاً من تهمة حب الظهور، فالحل سهل جداً:
قللوا الصور، وكثروا النتائج.
اختصروا المناسبات، وكثروا العمل.
دعوا الكاميرا تذهب قليلاً إلى الراحة، ودعوا المواطن يرى أثر العمل على الأرض.
فالمسؤول الناجح، لا يحتاج إلى أن يظهر في كل صورة.
أحياناً، أعظم صورة للمسؤول هي أن لا يظهر فيها إطلاقاً… لأن الناس مشغولون بالحديث عن النتائج التي تركها وراءه.
أما إذا استمرت الكاميرات في الاشتعال في كل مناسبة، وفي كل مهرجان، وفي كل لقاء، وفي كل ابتسامة، فمعذرة…
لا تلوموا المواطن إذا بدأ يتساءل:
واش عندنا عامل… ولا عندنا نجم جديد ديال السوشيال ميديا؟!
وفي الأخير، نقولها بنوع من “تجباد الودنين”، ليس للعامل وحده، وإنما لكل مسؤول، يعتقد أن كثرة الظهور، يمكن أن تعوض قلة النتائج:
المدينة ماشي ستوديو، والمواطن ماشي جمهور، والمنصب ماشي بطاقة VIP لدخول جميع الكاميرات!
وإذا كانت الكاميرا تحبكم إلى هذا الحد…
فحبوا أنتم المدينة أكثر منها.
لأن الكاميرا كتطفي.
والفيديو كيمشي.
والصور كتتدفن وسط آلاف الصور.
أما مشاكل المواطنين، فكتبقى واقفة، لا كتبتسم، ولا كتصفق، ولا كتحتاج إلى مونتاج.
والأخطر من كل ذلك:
الانتخابات جاية، والكاميرات غادي تزيد… ولكن الحساب، يا سادة، ماشي بالكاميرات!
الحساب سيكون عند المواطن.
والمواطن، بخلاف الكاميرا، ما كيقولش “السيد العامل ابتسم من فضلك”… المواطن كيقول: “ورّيني آش درتي!”




