
ضربة قلم
في المغرب، لا شيء مستحيل. قد تستيقظ صباحًا، لتكتشف أن وزير الصحة، صار يبيع الخضر في السوق، ووزير التعليم يتنقل للترويج للأدوية في عيادات الأطباء، ووزيرة التضامن… لا أحد يعرف أين هي بالضبط. لكن المفاجأة الكبرى، جاءت من القصر الكبير، حيث ظهر عبد اللطيف الحموشي – أو بالأحرى، زملاؤه- في مهمة جديدة، لا علاقة لها لا بالجريمة، ولا بالهرماكة، ولا بالسير والجولان: توزيع الخبز على الفقراء.
نعم، الخبز… تلك المادة البسيطة، التي صارت فجأة وثيقة سياسية، تُفضح بها هشاشة السياسات الاجتماعية، ويُوقَّع بها محضر غياب وزارة كاملة اسمها: وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة.
الحموشي “يتضامن”… ونعيمة “تُدرج”!
السؤال البسيط الذي يفرض نفسه:
هل نحن أمام تطاول أمني على اختصاصات وزارية؟ أم أمام انسحاب وزاري صامت فتح المجال للأمن، كي يملأ الفراغ ويقوم بعمل إنساني؟
عبد اللطيف الحموشي، المعروف بالصرامة والتقارير الثقيلة، لم يخرج ليقول: “أنا وزير التضامن الجديد”، لكن الواقع الميداني، يقول ذلك بوضوح. فحين تنزل وحدات متنقلة للأمن الوطني، لتوزيع الخبز على الفقراء في مدينة مهمشة، فهذه ليست مبادرة إنسانية عابرة، بل شهادة وفاة لسياسة عمومية غائبة.
في المقابل، نعيمة ابن يحيى، وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، تواصل أداء مهامها… من بعيد:
-
خطابات جميلة
-
ندوات أنيقة
-
مصطلحات براقة: “الإدماج”، “التمكين”، “المقاربة التشاركية”
لكن على أرض القصر الكبير؟
الخبز يأتي من الشرطة، لا من الوزارة.
شرطة متعددة المهام… وحكومة بنظام “التحويل”
يبدو أن حكومتنا الموقرة، قررت اعتماد نظام جديد في تدبير الأزمات الاجتماعية:
“إذا عجزت الوزارة، فليتدخل الأمن.”
-
الفقر؟ الأمن.
-
التشرد؟ الأمن.
-
غياب الدعم؟ الأمن.
-
الاحتقان الاجتماعي؟ الأمن.
أما الوزارة المعنية، فتتكفل بالبلاغات، والتقاط الصور، وتوقيع الشراكات، وانتظار الزيارة الملكية القادمة.
هكذا، وبدون أي تعديل دستوري، صار عبد اللطيف الحموشي:
-
مدير وحامي الأمن
-
مسعف الأزمات
-
موزع الخبز
-
وفاعلًا اجتماعيًا ميدانيًا
بينما تحولت وزارة التضامن إلى وزارة تضامن نظري، وجودها محسوس فقط في الوثائق الرسمية.
من المسؤول الحقيقي؟
لنكن واضحين:
المشكلة ليست في أن الشرطة قامت بعمل إنساني، بالعكس، ذلك يُحسب لها.
المشكلة أن هذا العمل ليس من اختصاصها أصلاً.
حين يقوم الأمن، بما يجب أن تقوم به وزارة كاملة، فهذه ليست بطولة، بل فضيحة مؤسساتية مغلفة بالخبز.
-
لماذا لم نرَ قوافل وزارة التضامن في القصر الكبير؟
-
أين برامج محاربة الهشاشة؟
-
أين الدعم الاجتماعي؟
-
أين “الإدماج” الذي لا يُدرج إلا في العناوين؟
الجواب المؤلم:
الوزارة حاضرة في الرباط…
والفقر حاضر في القصر الكبير…
والشرطة هي الجسر الوحيد بينهما.
الخلاصة: دولة تُدار بالنيابة
ما وقع في القصر الكبير، ليس حدثًا معزولًا، بل عرض من أعراض مرض مزمن:
غياب السياسة الاجتماعية، وحضور الحلول الأمنية بدلها.
اليوم، يوزع الأمن الخبز.
غدًا قد يوزع الإعانات.
وبعد غد، قد نرى شرطياً يشرح للمواطنين، كيفية ملء استمارات الدعم الاجتماعي، بينما الوزيرة تشرح في ندوة دولية “أهمية القرب من المواطن”.
ويبقى السؤال الساخر المؤلم:
هل نحتاج إلى تعديل حكومي؟
أم فقط إلى تغيير أسماء الوزارات، وتسميتها بأسمائها الحقيقية؟
وزارة التضامن: غائبة بعذر غير مقبول
والأمن الوطني: حاضر فوق العادة… وفوق الاختصاص
وذلك، في حد ذاته، أخطر ما في القصة.




