مجتمعسياسة

عبد اللطيف وهبي يثور على المحكمة الدستورية.. ويدخل الدستور إلى غرفة الإنعاش!

ضربة قلم

يبدو أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي لم يجد بعدُ فاصلًا واضحًا بين لغة السياسة ومقام القضاء، فخرج هذه المرة ليلقي خطبة من نار على المحكمة الدستورية، التي لم تعجبه قراراتها بخصوص قانون المسطرة المدنية، واصفًا إياها بعبارات لا تصدر عادة عن وزير عدل في دولة تدّعي فصل السلط واحترام المؤسسات. الوزير قالها بوجه مكشوف: “قرار ما أنزل الله به من سلطان!”، وكأن المحكمة خالفت الوحي أو ارتكبت خطيئة تستحق التوبة.

الوزير الذي حضر جلسة لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب لمناقشة ميزانية وزارته، بدا وكأنه يراجع نتائج امتحان لم ينجح فيه، يتساءل بحنق: لماذا رفضت المحكمة تلك الفصول؟ ومن أعطاها الحق في ذلك؟، ثم يضيف بنبرة تجمع بين الغضب والاستهزاء: هل يمكن لسلطة واحدة أن تشتغل وحدها في هذا البلد؟ أين التعاون؟ أين التنسيق؟ وهل الرقمنة نمنحها للقضاء ونبعد عنها وزارة العدل؟!

باختصار، وهبي يرى أن المحكمة تجاوزت اختصاصها، وربما ـ من وجهة نظره الخاصة جدًا ـ تجرأت على سلطان وزارته، وهو أمر لا يغتفر في جمهورية وهبي القانونية.

لكن الحقيقة أن المحكمة الدستورية لم تفعل سوى ما يفرضه عليها الدستور نفسه، إذ رصدت، بكل برود قضائي، أكثر من 30 مادة مخالفة لمبادئ دستورية كبرى، على رأسها استقلال القضاء والأمن القضائي وفصل السلط وحقوق الدفاع. تلك المواد التي أسقطتها المحكمة لم تكن تفصيلًا لغويًا، بل جوهرًا يمس ميزان العدالة ذاته. ومع ذلك، اعتبر الوزير أن المحكمة اختارت “ما تشاء لصالح جهة معينة”، بل ذهب إلى حد القول: من أنت لتفعل ذلك؟ أليس هذا إنكارًا للعدالة؟!
يا سبحان الله، أصبح الدفاع عن الدستور “إنكارًا للعدالة”، ووزير العدل يعلّم المحكمة الدستورية ما هو العدل!

الطريف في المشهد أن الوزير ختم مداخلته بعبارة يتيمة فيها وعي متأخر: “سيتهمني البعض أنني أهاجم المحكمة الدستورية.”
لا يا وزير، لن يتهمك أحد… لقد أعلنتها بنفسك وبالأدلة الموثقة، فقط لم تُعيّن بعد محامي الدفاع عن هذا الهجوم العلني على أرفع هيئة دستورية في البلاد.

أما المحكمة، فهي لم ترد ولم تصرخ ولم تكتب بيانًا، بل اكتفت ببرودة الجبال، لأنها تعرف أن القرارات القضائية لا تُناقش بالميكروفون، ولا تُلغى بعبارات من قبيل “ما أنزل الله بها من سلطان”، بل تُحترم ولو على مضض.

لكن وهبي، كالعادة، لم يكتفِ بالمرافعة ضد المحكمة، بل وزّع الأدوار على الجميع: تحدث عن موظفة غابت عشرين عامًا بدعوى المرض، وعن شهادات طبية من الخارج لا يُعترف بها قانونًا، وعن النيابة العامة التي “لم تتابع الملف”، وكأنه يلمّح بأن النظام برمته يحتاج إلى إعادة نظر شاملة… طبعًا تحت إشرافه الشخصي!

وفي فقرة أخرى، قرر أن يلعب دور “المصلح الكبير”، معلنًا عن قرارات صارمة داخل وزارته: تنفيذ الأحكام القضائية، محاسبة كل من يعرقلها، وإعادة هيكلة المعهد العالي للقضاء بتقسيمه إلى ثلاث مؤسسات لتكوين المحامين والموثقين والضباط. خطوة في ظاهرها النظام والانضباط، لكن في باطنها مشروع مركزي جديد لوزير يحب أن يضع بصمته في كل التفاصيل، من امتحان الولوج إلى نوع الماستر وحتى لغة الترجمة!

باختصار، وهبي لا يخوض معاركه إلا على طريقته الخاصة: يهاجم المحكمة باسم العدالة، وينتقد القضاء باسم الإصلاح، ويزرع الجدل باسم الجرأة.
رجل يعيش داخل معركة دائمة مع المؤسسات، ومع نفسه أحيانًا، وكأن الدستور بالنسبة له مجرد “ورقة قابلة للتأويل”، أو كما يقول بالدارجة: ماشي قرآن!
لكن المثير فعلاً هو أن الوزير الذي يُفترض أنه حامي القانون، صار أكثر من يتذمّر منه… أما المحكمة الدستورية، فقد ردّت عليه بصمت مهيب، لأن العدالة لا تصرخ، بل تكتب… ثم تمضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.