الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

اقتصادمجتمع

عبد الله جواد يفتح “الصندوق الأسود” للكرتون المموج: من صناعة التغليف إلى معركة المغرب مع الماء والكربون

حوار أجراه: محمد صابر

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد صندوق كرتوني باهت، نضع فيه سلعة، نحمله إلى المتجر أو المستودع، ثم ينتهي به المطاف سريعاً في حاوية للنفايات. لكن هذا الصندوق البسيط، الذي نمر به يومياً دون التفات، يخفي وراء طبقاته المموجة قصة صناعية واقتصادية وبيئية أكبر بكثير من حجمه الهندسي.
إن الكرتون المموج، لم يعد مجرد غلاف لحماية المنتجات أثناء النقل والتخزين، بل تحول اليوم إلى حجر زاوية في معادلة متشابكة تضم الصناعة والتصدير، وتتقاطع مباشرة مع معضلات الطاقة، والسيادة المائية، والاقتصاد الدائري، وصولاً إلى حسابات البصمة الكربونية المعقدة.
وفي بلد مثل المغرب، الذي يسير على حبل مشدود، يوازن فيه بين تعزيز السيادة الصناعية وتطوير صادراته الفلاحية من جهة، وبين مواجهة أزمة ندرة مياه هيكلية وتقليص استهلاك الموارد من جهة أخرى؛ فإن مستقبل صناعة التغليف، لم يعد تفصيلاً تقنياً يخص المصانع وحدها. لقد أصبح جزءاً من سؤال وطني مصيري: كيف يمكننا أن ننتج أكثر، ونصدر أكثر، بموارد أقل؟
من هنا ينطلق هذا الحوار مع الخبير والمختص في الهندسة البيئية والتنمية المستدامة، الأستاذ عبد الله جواد، الذي ركزت أبحاثه على الكرتون المموج والبصمة الكربونية. نحاول هنا إخراج أفكاره من حيز المختبرات الضيق، إلى زاوية مغربية أوسع، لنضعه أمام أسئلة بسيطة في ظاهرها، لكنها تمس عمق الأمن الصناعي والبيئي للمملكة.
فماذا يوجد فعلاً داخل هذا الصندوق؟ هل هي مجرد ألياف ورق وغراء ونقوش؟ أم أن داخله تختبئ قصة الماء الذي يتدفق في عروق المصانع، والطاقة التي تلتهمها الآلات، والكربون الذي يزن الأجواء، والنفايات التي يمكن أن تتحول من عبء بلدي إلى ثروة وطنية؟
سؤال: أستاذ عبد الله جواد، لو تأملنا صندوقاً بسيطاً من الكرتون المموج.. هل يمكننا أن نقرأ فيه قصة المغرب الصناعي بأكملها؟ قصة طموح الفلاحة في التصدير، وسعي الصناعة لخفض الكلفة، وتحديات ندرة المياه وغلاء الطاقة، وصولاً إلى تدوير النفايات ومواجهة القواعد البيئية الدولية الصارمة؟
جواب: بالتأكيد، وبدون مبالغة، يمكننا القول، إن هذا الصندوق، تحول إلى “مرآة بيئية واقتصادية”، تعكس كل هذه التحولات الوطنية والدولية. ورغم بساطة شكله الظاهري، إلا أنه يمثل نقطة التقاء حيوية لعدة قطاعات. عندما تنظر إلى الصندوق، أنت لا تنظر إلى ورق مطوي، بل تنظر إلى سلسلة توريد كاملة، وتكلفة لوجستية، وبصمة بيئية. إنه المنتج الذي يرافق الفلاح من ضيعات “سوس” أو “الغرب” إلى أسواق أوروبا، ويرافق المصنع من طنجة إلى عمق إفريقيا. لذلك، نعم، هو يختزل القصة بأكملها.
سؤال: عندما نقول “الكرتون المموج”، قد يتبادر إلى ذهن المواطن العادي، مجرد علبة كرتونية لجمع الأغراض وتخزينها، ثم التخلص منها. لكنكم تمنحونه بعداً استراتيجياً وتربطونه بالاستدامة والبصمة الكربونية. من أين تأتي كل هذه الأهمية؟
جواب: الأهمية تأتي من حجم الانتشار والأثر. التغليف هو عصب التجارة الحديثة؛ لا توجد تجارة بدون تغليف. وفي سياق التحول نحو “الاقتصاد الأخضر”، أصبح الكرتون المموج البديل المثالي للبلاستيك، لكونه مادة حيوية قابلة للتحلل وإعادة التدوير. لكن هذا الامتياز البيئي، يفرز مسؤولية ضخمة؛ ارتباطه بالإنتاج الضخم، يعني أن أي تحسين طفيف في طريقة تصنيعه، أو تقليص استهلاك المياه في مكابسه، أو خفض انبعاثات الشاحنات التي تنقله، ينعكس إيجابياً على الاقتصاد الوطني ككل. إنه ببساطة جزء لا يتجزأ من منظومة الاقتصاد الدائري التي يطمح المغرب لإرسائها.
سؤال: لكن، لنكن أكثر وضوحاً ودون الغرق في العموميات.. لماذا أصبح العالم يتحدث اليوم عن “البصمة الكربونية” لصندوق كرتوني، بينما هو في النهاية منتوج مشتق من الأشجار والورق المعاد تدويره.
جواب: لأننا يجب أن ننظر إلى “دورة حياة المنتج الكاملة” (LCA) من المهد إلى اللحد. نعم، الكرتون صديق للبيئة في أصله، لكن عملية إنتاجه، ليست محايدة كربونياً. هناك طاقة تُستهلك في قطع وتدوير الألياف، وهناك مياه وحرارة تُستخدم في عجن الورق وتجفيفه، وهناك وقود يحترق لنقل الصناديق عبر الشاحنات والحاويات. الأسواق الدولية اليوم، وخاصة الأوروبية، لم تعد تكتفي بالسؤال عن جودة المنتوج النهائي، بل تسأل: “كم غراماً من ثاني أكسيد الكربون، انبعث في الغلاف الجوي لإنتاج هذا الصندوق؟”. التحدي اليوم، ليس صناعة كرتون قوي فحسب، بل صناعته بأقل بصمة بيئية ممكنة.
سؤال: إذن، هل يمكن القول إن الصندوق نفسه، أصبح يخضع لما يشبه “الفحص البيئي” الصارم قبل دخوله خطوط الإنتاج؟جواب: هذا ما يحدث تماماً في المصانع الحديثة. المعايير التقليدية، كانت تركز على ثلاثة أقانيم: الصلابة، الجمالية، والسعر المنخفض. اليوم، أضيف إليها إجبارياً: “الكفاءة البيئية والموردية”. وهنا يأتي دور الابتكار والبحث والتطوير؛ كيف يمكننا تقليل وزن الورق (غراماج الورق) لتقليل استهلاك المادة الأولية وخفض كلفة الشحن، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على القدرة التحملية للصندوق ضد الصدمات والرطوبة أثناء التصدير؟ هذه هي المعادلة الذكية التي تشغل بال المهندسين اليوم.
سؤال:  وهنا نصل إلى مفترق طرق في فلسفة الإنتاج: هل مستقبل صناعة الكرتون في المغرب، يكمن في رفع كميات الإنتاج بالأطنان، أم في الانتقال إلى “الإنتاج الذكي”.
جواب: المستقبل قطعاً للإنتاج الذكي. قياس نجاح الصناعة الحديثة بـ “عدد الأطنان” هو مفهوم متجاوز. الكفاءة الحقيقية تُقاس بكيفية استغلال الموارد، لإنتاج تلك الأطنان. ما الفائدة من إنتاج آلاف الأطنان، إذا كانت تكلفنا هدراً مائياً كبيراً وانبعاثات طاقة أحفورية مرتفعة؟ الإنتاج الذكي يعني استخدام تكنولوجيا تتيح إعادة تدوير المياه داخل المصنع بنسبة تقارب 100%، واستخدام طاقة متجددة، وتصميم صناديق “مفصلة على المقاس” (Tailored Packaging) تمنع هدر المساحات في شاحنات النقل، مما يقلل بشكل تلقائي من عدد الرحلات والانبعاثات.
سؤال: دعنا ننتقل إلى واقعنا المحلي في المغرب. هل ترى أن صناعة الكرتون المموج الوطنية، استوعبت هذا التحول ووصلت إلى مرحلة “الاستدامة الحقيقية”، أم أننا ما زلنا، نتحسس الخطى في بداية الطريق؟
جواب: المغرب ليس غائباً عن هذا المشهد، بل حقق قفزات نوعية بفضل الاستثمارات الحديثة في قطاع التغليف، وتطوير وحدات متقدمة لإعادة تدوير الورق. لكن الاستدامة ليست محطة وصول نهائية نغلق بعدها الملف، بل هي “ديناميكية مستمرة” تتطور بتطور التحديات. ما كان يُعتبر مصنعاً صديقاً للبيئة قبل عشر سنوات، قد يُصنف اليوم كمستهلك شره للموارد. المصانع المغربية مجبرة اليوم على مواكبة هذه الوتيرة، ليس فقط بدافع الوعي البيئي، بل من أجل البقاء في السوق.
سؤال: لكن أستاذ عبد الله، ألا ترى أن التركيز على “الكربون” في المغرب قد يكون ترفاً فكرياً مستورداً؟ نحن بلد يمر بأزمة جفاف هيكلية غير مسبوقة؛ أليس حرياً بنا أن نضع “الماء” قبل “الكربون” في تقييم هذه الصناعة؟
جواب: هذا هو جوهر القضية، وأنا أتفق معك تماماً. لا يمكننا استيراد قوالب جاهزة لتقييم البيئة، من دول شمال أوروبا التي تملك، وفرة مائية، وتُركز فقط على انبعاثات الغازات. الاستدامة في المغرب، يجب أن تنبع من “الخصوصية المغربية”، والخصوصية هنا عنوانها الأبرز هو: الماء. صناعة الورق والكرتون هي صناعة مستهلكة للمياه بطبيعتها (في مرحلة العجن والتحضير). لذلك، فإن أي مصنع يدعي “الاخضرار” لمجرد أنه يقلل انبعاثات الكربون أو يستخدم الورق المعاد تدويره، ولكنه في المقابل، يستنزف المياه الجوفية دون معالجة أو إعادة تدوير، هو مصنع يمارس “المغالطة البيئية”. الأمن المائي هو أولويتنا الصناعية الأولى.
سؤال: بمعنى آخر، قد نقع في فخ “الاختلال البيئي” إذا ركزنا على مؤشر واحد وأغفلنا البقية؟
جواب: بالتأكيد. لهذا السبب، نطالب دائماً بـ “الرؤية الشمولية لفحص دورة الحياة”. يجب أن نطرح الأسئلة الصعبة كاملة في نفس الوقت: كم لتراً من الماء استهلكنا لكل طن كرتون؟ ما هي نسبة المياه المعاد تدويرها داخل المصنع؟ هل تم الاعتماد على محطات تحلية أو مياه عادمة معالجة؟ ما هو مصدر الطاقة المشغلة للمراجل؟ وبدون هذه الإجابات المتكاملة، تظل الاستدامة مجرد شعار تسويقي.
سؤال: لنطرح سؤالاً يلامس اليومي للمواطن المغربي: عندما نرى علب الكرتون ملقاة بشكل عشوائي في شوارعنا أو مختلطة بالنفايات العضوية في الحاويات.. هل نحن أمام “قمامة” يجب التخلص منها، أم أمام “ثروة وطنية وضائعة”؟
جواب: في منطق الاقتصاد الدائري، هذه ليست قمامة، بل هي “مواد أولية في المكان الخطأ”. الكرتون المستعمل هو ذهب بني للصناعة. تدوير الكرتون يستهلك طاقة ومياهاً أقل بكثير من إنتاجه من الألياف البكر (الخشب). عندما يختلط الكرتون بالنفايات المنزلية والرطوبة، فإنه يفقد جودته وتصبح عملية استرجاعه مكلفة أو مستحيلة، وهذا يعني حرفياً هدر ثروة مالية وبيئية تذهب رأساً إلى المطارح، مما يضطر البلد إلى استيراد الورق المستعمل، أو عجائن الورق، بالعملة الصعبة لسد الخصاص الصناعي.
سؤال: وهنا نضع اليد على الجرح؛ منظومة الجمع والفرز في المغرب، ما زالت تعاني من العشوائية، وتعتمد بشكل كبير على القطاع غير المهيكل (البوعارة). كيف يمكن تحويل هذا التحدي إلى فرصة منظمة؟
جواب: هذه واحدة من أكبر المقابلات في الانتقال البيئي بالمغرب. الحل لا يكمن في محاربة هذا القطاع غير المهيكل، بل في “إدماجه وتنظيمه”. نحن بحاجة إلى منظومات فرز من المنبع (من البيوت والمتاجر)، وتأسيس شراكات حقيقية بين الجماعات المحلية، الشركات المدبرة لقطاع النظافة، والمصانع التحويلية. عندما نمنح “جامعي النفايات” إطاراً قانونياً، وتغطية اجتماعية، ووسائل عمل كريمة، فإننا لا نحمي البيئة فقط، بل نخلق فرص شغل خضراء ومستدامة، ونؤمن للمصانع المغربية سيادة كاملة في الحصول على المادة الأولية المحلية.
سؤال: المغرب يراهن بقوة اليوم على أن يكون قطباً تصديرياً هائلاً، سواء في المنتجات الفلاحية (كالطماطم والحوامض) أو الصناعات الغذائية والسيارات. ما هي العلاقة المباشرة بين جودة صندوق الكرتون، وهذه الطموحات الكبرى للمملكة؟
جواب: العلاقة عضوية وحاسمة؛ التغليف هو السفير الأول للمنتج المغربي في الخارج. خذ على سبيل المثال المنتجات الفلاحية المتوجهة إلى الأسواق الأوروبية أو الروسية أو الأمريكية: هذه السلع تقضي أياماً في الشاحنات المبردة، وتتعرض لضغط الرطوبة وتغيرات الحرارة والاهتزازات. إذا كان صندوق الكرتون، غير مصمم بهندسة دقيقة، فإنه سيتراخى ويهبط، مما يؤدي إلى تلف الشحنة. هنا، جودة الكرتون وابتكاره لا يصبحان مجرد تفصيل تكميلي، بل هما اللذان يحددان، ما إذا كان المنتج المغربي سيصل بكامل جودته وقيمته التجارية، أم سيُرفض في موانئ الوصول.
سؤال: إذن، صندوق الطماطم أو التوت الذي يعبر الحدود، يحمل في طياته جزءاً غير مرئي من القدرة التنافسية للاقتصاد المغربي؟
جواب: تمكنا من صياغتها بدقة؛ التنافسية اليوم، لم تعد محصورة في جودة السلعة داخل الصندوق، بل في “أداء الصندوق” نفسه. التصميم الهندسي الذكي للكرتون، يقلل من الفراغات الهوائية غير المستغلة داخل الحاويات؛ مما يعني شحن كميات أكبر في رحلات أقل، وهذا يترجم مباشرة إلى خفض كلفة النقل اللوجستية التي تثقل كاهل المصدرين. التغليف هو حامي القيمة الاقتصادية.
سؤال: نصل إلى السؤال الأكثر إلحاحاً ومستقبلية: البصمة الكربونية، لم تعد مجرد تقارير بيئية اختيارية؛ مع بدء تطبيق الاتحاد الأوروبي لـ “آلية تعديل حدود الكربون” (CBAM)، هل سنرى قريباً، اليوم الذي يصبح فيه صندوق الكرتون المغربي خاضعاً لـ “ضريبة كربونية” قد تهدد صادراتنا؟
جواب: هذا ليس مجرد احتمال، بل هو الواقع القادم الذي يطرق أبوابنا بقوة. الأسواق الدولية، وعلى رأسها الشريك الأوروبي، تتجه بسرعة نحو فرض قيود صارمة على المنتجات المستوردة، بناءً على محتواها من الكربون. إذا لم تقم صناعة التغليف المغربية بخفض بصمتها الكربونية، واعتماد مسارات إنتاج خضراء ونظيفة، فإن المنتجات المغربية – حتى وإن كانت ممتازة – قد تجد نفسها خارج المنافسة بسبب “فاتورة الكربون” الإضافية، التي ستُفرض عليها عند الحدود.
إن معركة الكربون والماء، ليست ترفاً مستقبلياً، بل هي معركة بقاء اقتصادي وتنافسي للمغرب في الأمد القريب جداً. والصندوق الصغير الذي بدأنا به حديثنا، ليس إلا العنوان الأبرز لهذا التحول الصناعي الكبير.

سؤال: أستاذ عبد الله جواد، ككلمة أخيرة، نختم بها هذا الحوار الشيق.. ما هي الرسالة التي تود توجيهها للمصنعين والمسؤولين والمستهلكين المغاربة بخصوص هذا “الصندوق البسيط”؟

جواب: رسالتي هي أن ننظر إلى هذا الصندوق ليس كـ “نهاية للمنتوج”، بل كـ “بداية لوعي صناعي جديد”. إن معركتنا القادمة مع الماء والكربون، ليست قيوداً تفرضها علينا الأسواق الدولية، بل هي فرصة تاريخية للمغرب، ليعيد ابتكار نموذجه الصناعي. عندما يدرك المصنع أن خفض الوزن واقتصاد الماء، هما مفتاح تنافسيته، وعندما يدرك المواطن، أن إلقاء علبة كرتون في مكانها الصحيح هو مساهمة في حماية أمننا المائي، وصنع فرص شغل للشباب؛ عندها فقط سنحول التحدي البيئي إلى رافعة اقتصادية. هذا الصندوق الصغير، يثبت لنا يومياً أن الحلول الكبرى لمعضلات المناخ والموارد، لا تبدأ بالشعارات الرنانة، بل بالاهتمام بالتفاصيل البسيطة التي نلمسها كل يوم في بيوتنا ومصانعنا؛ وشكرا جزيلا لكم، ولمتابعيكم الأفاضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.