عزل رئيس جماعة مولاي يعقوب… حين يقول القضاء كلمته في اختلالات التدبير

ضربة قلم
لم يكن قرار عزل رئيس جماعة مولاي يعقوب حدثًا عابرًا في مسار تدبير الشأن المحلي، بل شكّل محطة مفصلية، أعادت إلى الواجهة إشكالية الحكامة الترابية، وحدود المسؤولية، ودور القضاء الإداري في تصحيح المسارات، حين تنحرف بوصلة التسيير عن خدمة الصالح العام. فقد أسدل القضاء الإداري بفاس، الستار على مرحلة اتسمت بالتوتر والاتهامات المتبادلة، معلنًا نهاية عهدة رئيس الجماعة، وعدد من أعضاء مكتبه، في قرار وُصف بالحازم والصارم.
وجاء هذا الحكم بعد مسار طويل من المتابعة، والتقارير والتوقيفات المؤقتة، حيث سبق لعامل الإقليم أن فعّل مسطرة التوقيف، في حق رئيس الجماعة ونواب له، على خلفية ما وُصف باختلالات تدبيرية وإدارية خطيرة. وهي الخطوة التي فتحت الباب أمام الإحالة على القضاء الإداري، باعتباره الجهة المخول لها، البت في مدى احترام المنتخبين للقانون التنظيمي للجماعات ومقتضياته الصارمة.
القضية، في جوهرها، لم تتعلق فقط بأخطاء تقنية، أو هفوات إدارية عابرة، بل ارتبطت بشبهات سوء تدبير، وتجاوز للصلاحيات، واختلالات في التسيير المالي والإداري، ما جعل الجماعة تعيش حالة من الجمود والاحتقان، انعكست سلبًا على السير العادي للمرافق والخدمات العمومية. وقد تزامن ذلك، مع تصاعد أصوات داخل المجلس وخارجه تطالب بفتح تحقيق شامل وترتيب المسؤوليات.
قرار العزل، الذي شمل رئيس الجماعة وأربعة من المنتخبين، من بينهم نائب للرئيس، حمل دلالات قوية، مفادها أن رئاسة الجماعة، ليست امتيازًا سياسيًا أو غطاءً للحصانة، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية تخضع للمساءلة والمحاسبة. كما أعاد إلى الأذهان، أن القضاء الإداري، بات يلعب دورًا محوريًا، في تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي ما فتئ يُرفع كشعار مركزي في الخطاب العمومي.
في المقابل، خلف الحكم ارتياحًا نسبيًا، لدى فئات واسعة من الساكنة المحلية، التي كانت تتابع تطورات الملف بقلق وترقب، خاصة في ظل تعطل عدد من المشاريع التنموية، وتراجع الثقة في المؤسسة المنتخبة. واعتبر كثيرون، أن العزل يشكل فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للجماعة، وفتح صفحة جديدة، قوامها الشفافية والالتزام بالقانون وخدمة المصلحة العامة.
غير أن هذا القرار، رغم أهميته، يطرح أسئلة أعمق حول آليات المراقبة القبلية والبعدية لعمل الجماعات الترابية، وحول مدى نجاعة منظومة الحكامة المحلية في الوقاية من مثل هذه الاختلالات قبل تفاقمها. كما يعيد النقاش حول الكفاءة التدبيرية للمنتخبين، وأهمية التكوين والمواكبة، بدل الاكتفاء بالشرعية الانتخابية وحدها.
ومن المرتقب أن تترتب عن العزل إجراءات إدارية وتنظيمية، من بينها تعيين من يسير شؤون الجماعة مؤقتًا، في انتظار إعادة ترتيب المشهد، داخل المجلس وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل. مرحلة انتقالية دقيقة تفرض، أكثر من أي وقت مضى، تغليب منطق المصلحة العامة، على الحسابات السياسية الضيقة.
إن عزل رئيس جماعة مولاي يعقوب، لا يمكن قراءته فقط كحدث محلي محدود، بل كرسالة واضحة، مفادها أن زمن التساهل مع سوء التدبير يضيق، وأن القضاء بات فاعلًا أساسيًا في حماية المال العام، وصون الثقة في المؤسسات المنتخبة. ويبقى الرهان الحقيقي اليوم، هو أن تتحول هذه الواقعة إلى درس جماعي، يدفع نحو ممارسة سياسية محلية أكثر نضجًا ومسؤولية، تعيد الاعتبار لدور الجماعات، كقاطرة حقيقية للتنمية، لا كمجال لتصفية الحسابات أو تدبير المصالح الخاصة.




