
ضربة قلم
في الأسابيع والأشهر الأخيرة، تحوّلت تحركات عزيز أخنوش عبر عدد من المناطق المغربية إلى مادة نقاش حامية. الرجل يخرج إلى الميدان، يتفقد المشاريع، يلتقي المنتخبين، يحيط به وفد من المسؤولين والكاميرات… لكن الصورة التي ترتسم في مخيلة جزء كبير من المتابعين، ليست صورة “رئيس حكومة يقوم بواجبه”، بل صورة “مرشح يستعد للمرحلة القادمة”.
وهنا يبدأ السؤال الذي يفرض نفسه بحدة:
هل صارت هذه الجولات نوعًا من الحملات الانتخابية السابقة لأوانها؟
زيارات ميدانية… أم رسائل انتخابية؟
عندما يتكرر المشهد نفسه: مسؤول كبير، خطاب موجه للمواطنين، حديث عن الإنجازات، وإيحاء بضرورة “مواصلة الطريق”… يصبح من الطبيعي أن يتساءل الناس عن الهدف الحقيقي. فالجولات التي يفترض أن تكون تقنية وإدارية، أخذت طابعًا تواصليًا جماهيريًا يركز على الصورة، أكثر مما يركز على التفاصيل.
والأمر ليس مجرد زيارة أو اثنتين؛ بل سلسلة خرجات منظمة بإيقاع مدروس، وكأن البلاد على أبواب حملة انتخابية، وليست في فترة تسيير حكومي عادي.
إعلام يبدو وكأنه جزء من الفريق
المثير أكثر هو التحول الملحوظ في الخط التحريري لعدد من المنابر الإلكترونية، التي صارت بدورها تُسوّق لكل خطوة يخطوها الرجل. تغطيات مفرطة، عناوين متوهجة، مقالات تكرر الرسائل نفسها: “إنجازات الحكومة، رؤية مستقبلية، مشاريع تلامس المواطن…”
هكذا بدت بعض الجرائد الإلكترونية وكأنها خرجت من دورها الطبيعي وأصبحت شبه ملحقة بفريق التواصل الحكومي، أو على الأقل منسجمة حدّ التطابق مع الرواية الرسمية.
وهذا ما دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن أخنوش لا يتحرك وحده… بل يتحرك ومعه ماكينة إعلامية كاملة.
السلطة التي تعجب صاحبها
من يتابع المشهد، يلاحظ أن أخنوش وجد نفسه في دائرة سلطة، تجمع بين السياسي والاقتصادي والإعلامي.
وهذا الخليط يجعل صورته متحكمة في جزء مهم من الرأي العام، خصوصًا حين يتزامن ذلك مع صمت رسمي بخصوص ملفات معيشية حساسة، أبرزها غلاء الأسعار.
ومهما حاولت الحكومة تفسير الوضع بالظروف العالمية، يبقى الشعور الشعبي مسنودًا بقناعة واحدة:
الأسعار ترتفع… ومن يتحكم في السوق يرأس الحكومة.
هذا التداخل بين السلطة الاقتصادية والسياسية، يمنح الرجل قوة غير مسبوقة، لكنه يضعه أيضًا تحت مجهر النقد الشعبي، ويجعل كل تحرك له محل تأويلٍ انتخابي.
جولات تُقرأ بأكثر من عين
لا أحد ينكر حق رئيس الحكومة في مراقبة المشاريع، وتقييم عمل الوزراء والولاة والمسؤولين الترابيين.
لكن الواقع اليوم يقول، إن الشارع فقد ثقته في نوايا السياسية الصافية. وكل حركة تُقرأ بأكثر من عقل، وكل خطوة تُفسر بمنطق “الاستعداد للغد”، خاصة حين تأتي مزدانة بالإعلام وتقديم الإنجازات والخطاب التصاعدي.
وبين الواجب الحكومي والمسار الانتخابي،
يقف أخنوش في منطقة رمادية…
منطقة يتداخل فيها الأداء الرسمي بالرسائل غير المعلنة، ويصعب فيها تفريق التسيير من التسويق.
الخلاصة: رائحة الانتخابات تسبق الزمن
الجولات وحدها لا تصنع حملات انتخابية، لكن الطريقة التي تُنظّم بها، والزخم الإعلامي الذي يرافقها، وطبيعة الرسائل التي تُبثّ من خلالها… كلها تجعل المشهد أقرب إلى حملة انتخابية ناعمة، تتقدم بخطى ثابتة نحو انتخابات لم يُعلن عنها بعد.
وبين سلطة أعجبته، وإعلام يلمّع خطواته، وأسعار أثقلت كاهل المواطنين، يبدو أن أخنوش يمضي مطمئنًا نحو مستقبل سياسي يحاول رسم ملامحه مبكرًا…
لكننا نترك له حسابات الواقع، ونجعل حصيلته السوداء التي أنهكت حياة الناس مصدر إحباط دائم، يذكّره بأن كل خطوة تُقاس بالنتائج على الأرض.




