مجتمع

عسكريون وأمنيون متقاعدون.. بين النسيان والتهميش: هل هذا جزاء من حموا الوطن؟

ضربة قلم

في أزقة الظل الاجتماعي وتحت أضواء اللامبالاة، يقف الأمنيون والعسكريون المتقاعدون في المغرب كحراس قدامى للوطن، لا يملكون الآن سوى ذكريات من سنوات البذل، الانضباط، والخطر. أولئك الذين قضوا زهرة عمرهم في حماية أمن البلاد واستقرارها، يجدون أنفسهم اليوم خارج الحسابات، على هامش الحياة العامة، يعانون من التهميش، ويتساءلون: هل هذا هو جزاء الوفاء؟

سنوات الخدمة: تضحيات لا تنسى

الشرطي، الجندي، الدركي، المخزني… جميعهم رموز في مرحلة من حياة المغرب كانت – وما تزال – محفوفة بالتحديات الأمنية والسياسية. هؤلاء لم تكن حياتهم ملكاً لهم، بل للوطن. اشتغلوا في الفيافي والجبال، في النقاط الحدودية، في المدن الكبيرة حيث العنف متربص، أو في القرى النائية، حيث البنية التحتية منعدمة.

تحملوا الشتائم أحياناً، والأخطار دائماً، وخضعوا لنظام صارم قائم على تنفيذ الأوامر بدون نقاش. ولأن مهمتهم كانت عنواناً للولاء، فإنهم لم يتوقفوا عن العمل في اللحظات التي نام فيها الجميع. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل نفعهم كل ذلك؟

واقع ما بعد التقاعد: خيبة الأمل

عندما يخلع الأمني أو العسكري زيه الرسمي ويتقاعد، يبدأ في رحلة جديدة، ليست نحو الراحة كما يتصور البعض، بل نحو معاناة مزدوجة: اقتصادية ونفسية.

  • أجور التقاعد الهزيلة: الغالبية من المتقاعدين الأمنيين يتقاضون معاشاً لا يواكب متطلبات الحياة الحالية. ارتفاع الأسعار، متطلبات الأسرة، والجانب الصحي الذي يصبح أكثر إلحاحاً مع التقدم في السن، تجعل من المعاش مصدراً للقلق، أكثر مما هو مورد للطمأنينة.
  • التغطية الصحية المحدودة: بالرغم من بعض التحسينات في التغطية، إلا أن الكثيرين يشتكون من طول المساطر، وضعف العناية، وغياب أي اهتمام خاص بمهنة عُرفت بمخاطرها. فهل من المنطق أن يعالج رجل أمن سابق شارك في تفكيك خلية إرهابية أو قاتل في الصحراء، في نفس الظروف المهينة التي تُخصص أحياناً لعامة المرضى؟
  • العزلة الاجتماعية: يشعر العديد من المتقاعدين بأنهم أصبحوا مجرد أرقام تقاعدية، لا يحظون بأي امتياز معنوي أو رمزي. المؤسسات التي كانوا يخدمونها تنساهم، لا يتم استدعاؤهم للقاءات تكريمية، ولا يُعترف بهم في البرامج الرسمية أو الأعياد الوطنية.

الجانب الإنساني: رجال لا يُرَون

وراء كل متقاعد أمني أو عسكري، هناك قصة صمت وكبرياء. كثيرون لا يشتكون، لأنهم تربوا على الصبر والانضباط. لكن داخل منازلهم، وبين جدران صامتة، تنهار الصورة البطولية أمام زوجة مريضة لا يمكن علاجها، أو ابن يطالب بمصروف الدراسة، أو خيبة أمل في وطن لم يعد ينظر إليهم كما في السابق.

هؤلاء الرجال – وبعض النساء كذلك – يشعرون وكأنهم لم يكونوا سوى “مفاتيح استُعملت ثم أُغلقت الأدراج دونهم”. يحكون عن أصدقاء رحلوا في صمت، لم يحضر جنازاتهم أحد من مؤسساتهم، ولم يُكرموا بعد الوفاة.

البعد الحقوقي: من أجل ردّ الاعتبار

في ظل كل هذه الظروف، يطفو ملف المتقاعدين الأمنيين والعسكريين على السطح كمطلب إنساني قبل أن يكون سياسياً. ومما يزيد من إلحاح القضية:

  • غياب إطار قانوني يضمن لهم تكريماً رمزياً ومعنوياً دائماً.
  • ضعف الجمعيات التي تمثلهم، وغياب أي قوة ضغط حقيقية باسمهم.
  • تأخر الدولة في سن نظام اجتماعي خاص بمتقاعدي الأسلاك النظامية.

ما المانع من توفير بطاقات امتياز؟ ما المانع من إدماجهم في برامج تحسيسية، في التربية على المواطنة في المدارس، كضيوف شرف؟ أو في اللقاءات الوطنية كمراجع في الأمن الوطني أو العسكري؟
ثم، أليست لهم خبرات يمكن توظيفها في الوساطة الاجتماعية، أو الأمن المحلي، أو التكوين؟

شهادات من الميدان: “خدمنا الوطن… واليوم لا يسمعنا أحد

“كُنت مسؤولاً عن مركز حساس لمدة 20 سنة، اليوم لا أحد يتصل بي حتى في الأعياد الوطنية…”
– متقاعد من جهاز الأمن الوطني، الرباط

“حملت السلاح في الصحراء وضربتني شظية، ومعاشي لا يكفي حتى لشراء دواء ضغط الدم.”
– متقاعد من الجيش الملكي، كلميم

نحو سياسة وطنية للكرامة بعد التقاعد

لقد آن الأوان لإطلاق ورش وطني يرمي إلى إنصاف هذه الفئة. “الكرامة بعد التقاعد” يجب أن تكون عنواناً لسياسة شاملة تراعي:

  1. رفع معاشات التقاعد بما يتماشى مع التضخم ومستوى المعيشة.
  2. إعادة الاعتبار الرمزي من خلال احتفاء سنوي على المستوى الوطني، وتخصيص أوسمة تقديرية لمن بلغوا سن التقاعد.
  3. توسيع التغطية الصحية لتشمل الأمراض المزمنة مجاناً، وتمتيع المتقاعدين بشبكة من المصحات العسكرية والمدنية المتعاونة.
  4. خلق فرص لإعادة الإدماج في الحياة المهنية أو الجمعوية، خاصة لمن تقاعدوا في سن مبكرة نسبياً.

الختام: لا وطن يُبنى على نسيان رجاله

في النهاية، لا يمكن الحديث عن الاستقرار الأمني والسياسي للمغرب دون أن نضع في الحسبان من كانوا في الجبهة الأولى. المتقاعدون الأمنيون والعسكريون ليسوا مجرد أرقام أو ملفات أُغلقت. إنهم رجال المرحلة الماضية الذين حافظوا على الحاضر، وهم بحاجة لمن يحمي مستقبلهم.

تكريم المتقاعدين العسكريين والأمنيين ليس صدقة، بل هو استثمار في المعنى العميق للوطنية. هؤلاء لم يطالبوا يوماً بزيادة الرواتب أو الامتيازات، بل طالبوا فقط بالاعتراف، بالاحترام، وبحقهم في العيش بكرامة.

إذا كانت الدولة لا تكرم أبناءها حين يشيخون، فمن سيصدق أنها تُكرمهم وهم في عزّ العطاء؟
وإذا كنا نفاخر بأجهزتنا الأمنية والعسكرية، أفلا ينبغي أن نفتخر أيضاً برجالها حين يتقاعدون؟

الوفاء لا يتقاعد.
والكرامة لا تُعطى في الزي الرسمي فقط، بل في الاعتراف المستمر بمن لبسوه من أجل الوطن.

فلا تجعلوا من خريف أعمارهم فصلاً للخذلان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.