مجتمع

عصير بدرهم… وطفل بثمن الوطن

ضربة قلم

في بلدٍ تتكاثر فيه القوانين ولا تُطبّق، وتغيب فيه الرقابة إلا حين تتعلق بكلمة أو منشور، يموت طفل لأن عصيرًا بثمن درهم واحد كان كافيًا ليغتال براءة عمرٍ بأكمله.

طفل صغير خرج من منزله وفي يده درهمٌ واحد، يشتري به فرحته الصغيرة، ثم لا يعود. ليس في قصة هذا الطفل ما هو استثنائي… سوى أنها تختصر كل مأساة هذا الوطن.

كيف يمكن لعصيرٍ يباع في الأسواق، يُعرض أمام المدارس، ويصل إلى يد طفلٍ دون أي رادع أو مراقبة، أن يتحول إلى سمّ قاتل؟
أين الدولة التي تتباهى بجهازها الإداري؟
أين “أونسا” التي تُغلق المطاعم أحيانًا على كاميرات التلفزيون ثم تغيب حين يموت طفل؟

المرصد المغربي لحماية المستهلك… صوتٌ يصرخ في الصحراء

لم يكن الصمتُ كاملًا. فقد تدخل المرصد المغربي لحماية المستهلك، مطالبًا بالتحقيق العاجل، وبمراقبة صارمة للمنتجات الغذائية المعروضة في الأسواق الشعبية.
المرصد، الذي صار أشبه بمن يُحارب طواحين الهواء، دعا إلى تشديد الرقابة، ومعاقبة كل من يعبث بصحة المواطنين،
لكن هل من يسمع؟

في كل مرة تقع فيها مأساة مشابهة، نسمع نفس العبارات:

“فتحنا تحقيقًا”…
“سنجري التحاليل المخبرية”…
“سنُحاسب المسؤولين بعد انتهاء البحث”…

ثم يمرّ الوقت، تُنسى القضية، وتُدفن الحقيقة مع الضحية، ويعود العصير إلى الرفوف، بنفس الثمن… ونفس الغدر.

في دولة تحترم شعبها…

لو أن هذه الحادثة وقعت في دولة تحترم شعبها، لقُلبت الدنيا رأسًا على عقب:

  • تم إغلاق المصنع فورًا، وسحب كل المنتجات من الأسواق خلال ساعات.

  • تم تقديم المسؤولين إلى القضاء علنًا، لا في صمت مكاتب مظلمة.

  • استقالة وزير أو اثنان على الأقل، لأن كرامة المواطن هناك ليست رقمًا في سجل الوفيات.

  • وتم تعويض عائلة الطفل فورًا، لا بالوعود الفارغة، بل بعدالةٍ تُعيد بعضًا من الكرامة المسروقة.

في دولٍ تُقدّر الإنسان، لا يُتداول “عصير بدرهم” في أسواق الأطفال دون ترخيص، ولا تُعرض المنتجات العشوائية قرب المدارس، ولا تُمنح رخصة إلا بعد اختبارات حقيقية، لا “توقيع في مقهى”.

لكن هنا، حين يموت طفل، تُفتح الكاميرات على رجال السلطة يحققون “بجدية”،
ويُصدر البلاغ المعتاد:

“تم فتح تحقيق لمعرفة ملابسات الحادث”.
ثم ينتهي كل شيء حين تخرج نتيجة التحاليل الباردة:
“الوفاة ناتجة عن تسمم عرضي”.

وكأن العرضيّ هنا هو موت الضمير.

بلدٌ يتسامح مع الإهمال… ويخاف من الرأي

المأساة ليست في العصير فقط، بل في ثقافة الإفلات من العقاب.
في بلدٍ يُخاف فيه من تغريدة أكثر من خوفنا من سمٍّ في كأس طفل،
تصبح الصحة ترفًا، والمحاسبة خيالًا، والمواطن مجرد رقمٍ في نشرات الأخبار.

كيف نطالب ببلدٍ نظيفٍ إن كنا نعيش في نظامٍ لا يغضب إلا حين يُنتقد؟
كيف نصدق أن هناك مؤسسات رقابة، إن كانت لا تتحرك إلا بعد الكارثة؟

عصير بدرهم… اختزال وطن

قصة “عصير بدرهم” ليست مجرد حادث عرضي،
إنها مرآةٌ لوطنٍ ينهار بصمتٍ، وتنهشه اللامبالاة من الداخل.
طفل واحد مات… وغدًا ربما آخر، لأننا نسينا أن أرخص ما في هذه الأرض هو الإنسان.

نحن نعيش في بلدٍ يمكن أن يُسجن فيه شاب بسبب تدوينة،
لكن لا أحد يُحاسب حين يموت طفل بسبب سمٍّ مُعلّب.

الخاتمة: لا أحد بريء

ليست الوزارة وحدها المسؤولة،
ولا المصنع وحده،
ولا البقال وحده.
كلنا مسؤولون لأننا قبلنا أن نصمت، أن نتعوّد، أن نضحك حين نسمع خبرًا كهذا، ثم نُكمل يومنا كأن شيئًا لم يكن.

لكن الحقيقة المرّة أن السكوت هو شريك في الجريمة،
وأن موت هذا الطفل ليس حادثًا فرديًا،
بل نتيجة نظامٍ كاملٍ اختار أن يُراكم الغضب بدل أن يُصلح،
واختار أن يُخدّر الضمير بدل أن يُنير العقل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.