الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

عصير مُعلّب يفضح المستور: أساتذة يتذوقون طعم التسمم في دورة تكوينية!

ضربة قلم

من يظن أن الحصص التكوينية للأساتذة لا تتجاوز سبورة، أقلاماً ملونة، وجرعة من “التحفيز البيداغوجي”، فهو مخطئ تماماً. فمدينة سيدي بنور، التي لم تكن على موعد مع ندوة فكرية أو ملتقى دولي، تحولت فجأة إلى مسرح لفيلم قصير: ثلاثة أساتذة يتذوقون عصيراً معلباً، فينتهي بهم الأمر بين براثن “التسمم الغذائي”، وكأنهم في تجربة مخبرية لا علاقة لها لا بالتربية ولا بالتكوين.

الواقعة التي جرت خلال دورة رسمية نظمتها وزارة التربية الوطنية، أخرجت الجميع عن النص: ألم حاد، مغص، نقل إلى المستشفى، وتصريحات رسمية تُشبه بيانات “طمأنة الرأي العام” بعد زلزال. الغريب أن الأساتذة خرجوا في نفس اليوم بعد “إصلاح أعطاب المعدة”، وكأن المستشفى مجرد ورشة لتقويم الأعطاب الباطنية.

وزارة التربية لم تفوّت الفرصة طبعاً: بيان رسمي منمّق، لجنة تزور المصابين، حديث عن التحقيقات، وانتظار نتائج التحاليل المخبرية. وكالعادة، رُبط الحادث بزيارة مسؤول  -مدير الأكاديمية الجهوية – وكأن العصير المعلب انتظر موعد التنصيب ليعلن عن تمرّده على معايير الجودة.

لكن خلف الكواليس، يظهر سؤال أكبر بكثير: كم من هذه العصائر المعلبة، التي تملأ رفوف المتاجر وتُغري المستهلكين بألوانها الزاهية وعبارات “100% طبيعي”، تخبئ في أحشائها خليطاً كيميائياً يُهدد صحة الناس؟ إذا كان ثلاثة أساتذة قد نُقلوا للمستشفى بسبب عبوة واحدة، فكم من مواطن آخر “يبتلع السم” يومياً دون أن يدري، مكتفياً بابتسامة العلبة وصورة البرتقالة الطازجة المطبوعة عليها؟

الأدهى أن الواقعة مرّت وكأنها حادث مرور عابر: الوزارة وعدت بالتحقيق، السلطات الصحية وعدت بالمتابعة، والمستهلكون واصلوا شراء نفس العصائر في اليوم الموالي. أما الشركات المنتجة، فهي تواصل تسويق “خلطتها السرية” وكأن شيئاً لم يكن، بينما الرقابة الغذائية تُمارس عادة هوايتها المفضلة: النوم العميق.

إنها ليست مجرد تسمم جماعي عابر، بل صفعة صغيرة تكشف هشاشة نظام المراقبة على المواد المعلبة في البلاد. فحين يتحول عصير يفترض أن يكون “منعشاً” إلى “سائل سام”، فإن السؤال لم يعد حول ما إذا كان الأساتذة قد شُفوا، بل حول: من سيُحاسَب؟ ومن سيضمن أن عبوة الغد لن تكون أكثر فتكاً؟

الحادثة ببساطة تلخص معادلة يومية في المغرب: استهلاك بلا ثقة، رقابة بلا أنياب، وشركات تُراكم الأرباح على حساب معدة المواطن. وما جرى في سيدي بنور قد يكون مجرد بروفة صغيرة لفضيحة أكبر قادمة، ما دامت العلبة المعلبة أقوى من القوانين المعلبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.