“عقارك تبخر بورقة وختم!”… أحكام ثقيلة تُسقط شبكة التزوير العقاري بالناظور

ضربة قلم
في واحدة من القضايا التي حبست الأنفاس داخل أروقة محكمة الاستئناف بالناظور، وضعت غرفة الجنايات يدها أخيراً على ملف ثقيل، تفوح منه رائحة التزوير والتلاعب بالعقارات، بعدما تحولت بعض الوثائق والعقود إلى مفاتيح سحرية، لانتزاع أملاك الغير، وكأن الأمر يتعلق بغنائم سائبة، لا بأملاك لها أصحاب ووثائق وسجلات رسمية.
القضية، التي استغرقت وقتاً طويلاً بين التحقيقات والمرافعات وإعادة فحص المعطيات، انتهت بأحكام وصفت بالقاسية، بعدما تجاوز مجموع العقوبات السجنية ثلاثين سنة حبسا نافذا، إلى جانب غرامات مالية مهمة، في رسالة واضحة مفادها أن العبث بالعقار لم يعد مجرد “خطأ إداري” يمكن المرور عليه مرور الكرام.
المحكمة لم تكتفِ بتأكيد الأحكام الابتدائية، بل أعادت غربلة الملف بالكامل، فشددت العقوبات على بعض المتابعين بعدما اعتبرت أن أدوارهم، لم تكن هامشية كما حاول الدفاع تصويرها، بينما خففت العقوبة عن آخرين بعد إسقاط عدد من التهم أو إعادة تكييفها قانونياً.
ومن بين الأسماء التي استأثرت بالاهتمام داخل هذا الملف، برز المتهم “محمد ا.” الذي وجد نفسه في واجهة الأحكام الثقيلة، بعدما رفعت المحكمة العقوبة الصادرة في حقه إلى 12 سنة سجناً نافذا، عقب اقتناع الهيئة القضائية بضلوعه في سلسلة من الأفعال المرتبطة باستعمال وثائق مزورة والمشاركة في تزوير عقود ووثائق إدارية وعرفية استُعملت في عمليات مرتبطة بالعقار.
كما قررت المحكمة تشديد العقوبة في حق متهم آخر بعدما اعتبرته فاعلاً رئيسياً في عمليات تزوير محررات رسمية، بدل مجرد مشارك ثانوي، وهو ما يعكس أن الهيئة القضائية تعاملت مع الملف بمنطق “من خطط ونفذ” وليس فقط “من حضر ووقع”.
في المقابل، استفاد بعض المتابعين من تخفيف العقوبات بعد سقوط عدد من التهم المتعلقة باستعمال أو تزوير وثائق معينة، فيما ثبتت المحكمة براءة متهمين اثنين بشكل نهائي، مع إرجاع الكفالات المالية المؤداة، في إشارة إلى أن الملف لم يكن قائماً على منطق الإدانة الجماعية، بل على تقييم دقيق لمسؤولية كل طرف على حدة.
ولأن التزوير لا يترك وراءه فقط أوراقاً مزيفة بل آثاراً قانونية معقدة، فقد أمرت المحكمة بإتلاف العقود والوثائق المشبوهة والتشطيب عليها من السجلات الرسمية، حتى لا تبقى قنابل قانونية موقوتة قابلة للاستعمال مستقبلاً.
أما على المستوى المدني، فقد أعادت المحكمة العقار المتنازع حوله إلى مالكه الأصلي، مع حذف كل التقييدات اللاحقة التي ترتبت عن عمليات التزوير، إلى جانب رفع قيمة التعويضات المالية المحكوم بها لفائدة المتضررين.
هذا الملف أعاد إلى الواجهة النقاش حول خطورة شبكات التزوير العقاري، التي لا تعتمد على القوة أو الاقتحام، بل على أختام وتوقيعات وعقود قد تبدو سليمة في الظاهر، بينما تخفي وراءها عمليات استيلاء منظمة على أملاك قد يكتشف أصحابها بعد سنوات أن ممتلكاتهم “تبخرت” داخل دهاليز الورق والإجراءات الإدارية.
وفي زمن أصبحت فيه بعض العصابات، تتقن استعمال الحاسوب والختم أكثر من استعمال السلاح، يبدو أن معركة حماية العقار لم تعد مرتبطة فقط بالمراقبة الميدانية، بل أيضاً بحماية الوثيقة نفسها من التحول إلى أداة للسطو المقنن.




