الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

على اليابسة ضاق الحلم… وفي البحر وُلدت المأساة

م-ص

لا نرغب في الحديث عن مشاهد البكاء، التي قيل إنها جرت في الجديدة، حيث اختلطت الدموع بالكاميرات، وتحوّل الأسى إلى صورة عابرة في نشرة الأخبار، بين عزيز أخنوش والعلمي ومن التفّ حولهما. لا نرغب في الغوص، في تفاصيل من بكى ولماذا بكى، ولا في قراءة الدموع، هل كانت صادقة أم بروتوكولية، ولا في تعداد من حضر ومن غاب. فالبكاء، حين يصبح حدثًا سياسيًا، يفقد معناه الإنساني، ويتحول إلى مشهد مؤقت، سرعان ما يُطوى مع انتهاء الزيارة.

ولا نرغب كذلك في الحديث عن المتقربين الجدد، من الزعيم الأزرق الجديد، أولئك الذين اكتشفوا فجأة، أن البوصلة السياسية تشير إلى جهة واحدة، فسارعوا إلى تغيير الاتجاه، وتبديل القناعات، وإعادة تدوير الخطاب. بعضهم يحلم بحقيبة وزارية، وبعضهم يكتفي بصورة في الصف الأول، وبعضهم الآخر ينتظر إشارة صغيرة، وعدًا غامضًا، أو ابتسامة عابرة، قد تُترجم مستقبلًا إلى منصب أو نفوذ. هذا المشهد، على ردائه، أصبح مألوفًا إلى درجة الملل، ولم يعد يستحق مزيدًا من الوصف.

ولا نود أن نتوقف عند الطرق، التي انقطعت فجأة، في عهد وزير هو في الوقت نفسه زعيم حزبي، على رأس وزارة التجهيز، تلك الوزارة التي تعاقب على تسييرها عدد كبير من الاستقلاليين، وورثت معهم خطابًا جاهزًا عن الاستمرارية والإكراهات والظروف المناخية. لا نرغب في تعداد الكيلومترات المنهارة، ولا في استعراض الصور الجوية للحفر، والوديان التي ابتلعت الإسفلت، ولا في البحث عن المسؤول الإداري، أو التقني، الذي سيُحمّل وزر ما حدث. فهذه التفاصيل، رغم فداحتها، أصبحت جزءًا من روتين موسمي لا يفاجئ أحدًا.

ولا نرغب أيضًا، في إثارة قضية ضحايا البنية التحتية، وأمطار الخير، تلك العبارة التي تبدو جميلة لغويًا، لكنها قاسية واقعيًا. لا نرغب في إعادة سرد حكايات البيوت، التي غمرتها المياه، ولا في وصف الأثاث الطافي، ولا في عدّ الأسر، التي فقدت مأواها في ليلة واحدة. هذه المآسي، على فداحتها، تجد دائمًا من يتكفل بتصويرها، ثم نسيانها، وكأنها جزء من طقس سنوي، لا بد أن يقع.

نريد فقط أن نلفت الانتباه إلى نوع آخر من الضحايا… ضحايا لا تظهر صورهم في التقارير الرسمية، ولا تُرفع أسماؤهم في الاجتماعات الطارئة، ولا تُخصص لهم لجان لتقصي الحقائق. نريد أن نتحدث عن ضحايا النفوذ، أولئك الذين لم تقتلهم السيول، ولم تدهسهم الطرق المنهارة، بل قتلهم الإحساس العميق، بأن هذا الوطن لم يعد لهم.

ضحايا النفوذ، هم أولئك الذين طرقوا الأبواب كثيرًا، ففُتحت لغيرهم. الذين اجتهدوا، وانتظروا، وصدقوا الخطاب الرسمي، ثم اكتشفوا أن الاجتهاد وحده، لا يكفي، وأن الانتظار، قد يطول إلى ما لا نهاية، وأن الصدق في بلد العلاقات، قد يكون عبئًا لا ميزة. هم الذين رأوا فرص العمل، تمر أمامهم محمولة على أسماء العائلات، وعلى أرقام الهواتف، وعلى بطاقات الانتماء غير المعلنة.

هم الذين وقفوا طويلًا في طوابير الإدارات، ثم عادوا بخيبة أكبر من الملفات، التي حملوها. هم الذين فهموا متأخرين، أن الوطن، كما يُدار، لا يسع الجميع بالقدر نفسه، وأن العدالة في الفرص، شعار جميل يصلح للخطب، لكنه لا يصمد أمام الواقع.

وحين يفيض الكأس، لا يخرج هؤلاء إلى الشوارع بالضرورة، ولا يرفعون الشعارات، ولا يملكون ترف الاحتجاج، طويل النفس. بعضهم ينسحب بصمت، وبعضهم يهاجر داخليًا، إلى هامش الحياة، وبعضهم الآخر يختار الرحيل النهائي… إلى البحر.

قوارب الموت لا تحمل فقط شبابًا، يبحث عن عمل، بل تحمل قصصًا كاملة، من الإحباط، وتحمل شهادات جامعية، لم تجد طريقها، وتحمل أحلامًا مؤجلة، تحولت إلى أوزان ثقيلة. البحر لا يسأل عن الانتماء الحزبي، ولا عن البرنامج الحكومي، ولا عن الوعود الانتخابية. البحر فقط يفتح ذراعيه، ببرود، لمن فقد الأمل في اليابسة.

وهكذا، بينما ينشغل الفاعلون السياسيون، بالبكاء أمام العدسات، وبإعادة ترتيب المواقع، وبالتقرب من مراكز القرار، يواصل الوطن نزيفه الصامت. نزيف لا يظهر في الميزانيات، ولا في المؤشرات، لكنه يظهر في عدد القوارب، وفي عدد الغائبين، وفي تلك المسافة المتزايدة بين المواطن وفكرة الوطن.

لسنا بحاجة إلى دموع جديدة، ولا إلى خطب أطول، ولا إلى صور أكثر احترافية. ما نحتاجه، هو أن نفهم، أن أخطر ما يمكن أن يخسره بلد ما، ليس طريقًا ولا جسرًا، بل ثقة أبنائه. وحين تُفقد هذه الثقة، يصبح البحر، أقل قسوة من البر، وتصبح المغامرة بالموت، أرحم من انتظار حياة لا تأتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.