الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

على بعد ستة أشهر من انتخابات 23 شتنبر: حين يتحول بعض المرشحين إلى “رحّل سياسيين” يقفزون بين الأحزاب كقرد الحلقة

ضربة قلم

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر القادم، بدأت ملامح موسم سياسي مألوف في المغرب، تطفو من جديد على السطح، موسم لا تُقاس فيه الحركية السياسية،، ببرامج الأحزاب، ولا بالأفكار ولا بالرؤى، بل بسرعة تنقل بعض المنتخبين والمرشحين بين الأحزاب كما لو كانوا في سباق غير معلن، للبحث عن أقرب مظلة انتخابية، تضمن لهم مقعداً في البرلمان القادم.

ولأننا لا نزال على بعد حوالي ستة أشهر وأيام معدودة فقط من هذا الاستحقاق، فإن ما يجري في الكواليس يطرح أسئلة كثيرة حول طبيعة الممارسة السياسية، لدى فئة من المنتخبين، الذين صاروا معروفين بلقب غير رسمي في الشارع السياسي: “المنتخبون الرحّل”.

موسم القفز الحزبي

في الفترات العادية، تبدو الأحزاب السياسية، وكأنها كيانات مستقرة نسبياً، لكل منها خطابها ومواقفها ومواقعها داخل المشهد العام. لكن مع اقتراب الانتخابات، يتغير المشهد فجأة، فتتحول بعض المقرات الحزبية، إلى ما يشبه محطات عبور، يدخلها منتخبون ويغادرها آخرون، وكأن الانتماء الحزبي، مجرد بطاقة مؤقتة، قابلة للاستبدال عند أول فرصة.

اليوم قد تجد منتخباً يدافع بحماس عن برنامج حزب معين، يرفع شعاراته ويخوض باسمه المعارك الإعلامية، لكن ما إن تبدأ حسابات الترشيحات والمقاعد الانتخابية حتى يبدأ التفكير في “الخطة البديلة”: حزب آخر، لائحة أخرى، أو حتى تحالف غير متوقع.

هذه الظاهرة لم تعد خافية على أحد، بل أصبحت جزءاً من الفولكلور الانتخابي المغربي، حيث يتابع المواطنون بقدر من السخرية، أخبار انتقال هذا المنتخب، أو ذاك من حزب إلى آخر، كما لو كانوا يشاهدون مباراة انتقالات، في عالم كرة القدم.

قفزات تشبه قرد الحلقة

اللغة الشعبية في المغرب، غالباً ما تختصر الواقع ببلاغة لافتة، ولهذا يشبه كثير من المواطنين، هذا النوع من السلوك السياسي، بما يعرف في الثقافة الشعبية بـ “قرد الحلقة”، ذلك الحيوان الذي يقفز من حركة إلى أخرى لإمتاع الجمهور، دون أن يكون لتلك الحركات معنى حقيقي خارج الاستعراض.

الفارق هنا، أن الأمر لا يتعلق بعرض ترفيهي في ساحة جامع الفنا، بل بمقاعد تمثيلية يفترض أنها تعبر عن إرادة المواطنين وعن مصالح مناطق بأكملها.

حين ينتقل منتخب من حزب إلى آخر كل بضع سنوات، أو حتى كل بضع أشهر، يصبح السؤال مشروعاً:
هل هذا الشخص يمثل فعلاً مشروعاً سياسياً؟
أم أنه يمثل ببساطة مشروعه الشخصي؟

الأحزاب بين الاستقطاب والبراغماتية

من جهة أخرى، لا يمكن إعفاء الأحزاب نفسها، من المسؤولية في هذه الظاهرة. ففي كثير من الحالات، تجد بعض القيادات الحزبية نفسها أمام معادلة معقدة:
هل تفضل مرشحاً “نظيف السجل” لكنه ضعيف انتخابياً؟
أم مرشحاً “ثقيلاً انتخابياً” حتى لو كان رحّالاً حزبياً محترفاً؟

في لحظة الحسم، كثيراً ما تنتصر البراغماتية الانتخابية على المبادئ التنظيمية. فتفتح الأبواب أمام الوافدين الجدد، وتُنسى بسرعة خطابات الأمس حول “الأخلاق السياسية” و“الالتزام الحزبي”.

وهكذا يتحول بعض المنتخبين إلى ما يشبه اللاعبين الأحرار في سوق الانتقالات السياسية، يعرضون “خدماتهم الانتخابية” على الحزب الأكثر قدرة، على منحهم التزكية أو الموقع المناسب في اللائحة.

المواطن… المتفرج الدائم

وسط هذا المشهد، يقف المواطن المغربي غالباً في موقع المتفرج. فهو يرى نفس الأسماء تتكرر في الانتخابات، ونفس الوجوه تعود كل مرة بقبعات حزبية مختلفة.

اليوم قد يظهر المرشح بلون سياسي معين، وغداً قد يظهر بلون آخر، لكن الخطاب الانتخابي، يظل تقريباً نفسه:
الحديث عن التنمية، عن الشباب، عن التشغيل، عن تحسين الخدمات… وهي شعارات أصبحت مألوفة لدرجة أن الكثيرين باتوا يسمعونها كما يسمعون إعلاناً مكرراً.

لكن السؤال الذي يتردد في الأحياء والقرى والحواضر يبقى بسيطاً جداً:
هل هؤلاء يمثلون فعلاً السكان؟ أم يمثلون مصالحهم الخاصة؟

السياسة بين المبدأ والمصلحة

العمل السياسي في جوهره يقوم على فكرة أساسية: التمثيل.
أي أن المنتخب يفترض أن يكون صوت المواطنين داخل المؤسسات، وأن يعبر عن تطلعاتهم ومشاكلهم واحتياجاتهم.

لكن عندما يصبح الانتماء الحزبي مجرد وسيلة للوصول إلى المقعد، يفقد هذا المفهوم، جزءاً كبيراً من معناه. فالمواطن لا ينتخب شخصاً فقط، بل ينتخب أيضاً برنامجاً ورؤية وتوجهاً سياسياً.

أما حين يتنقل المنتخب بين الأحزاب بسهولة، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام، تكون مختلفة تماماً:
أن السياسة ليست سوى سوق للمواقع والمصالح.

ستة أشهر حاسمة

الستة أشهر المقبلة، ستكون حاسمة في رسم ملامح المشهد الانتخابي القادم. ففي هذه الفترة ستتضح التحالفات، وستُحسم التزكيات، وستبدأ الحملات غير المعلنة في الأحياء والدوائر الانتخابية.

ومن المؤكد أن ظاهرة الترحال السياسي ستعود إلى الواجهة بقوة، خصوصاً مع اقتراب موعد إغلاق اللوائح النهائية للمرشحين.

لكن الرهان الحقيقي، لا يكمن فقط في من سينتقل من حزب إلى آخر، بل في مدى قدرة الناخبين أنفسهم على التمييز بين المرشح الذي يحمل مشروعاً فعلياً، وبين من يبحث فقط عن مقعد جديد بأي لون سياسي كان.

سؤال يلاحق كل موسم انتخابي

مع اقتراب 23 شتنبر، سيعود السؤال نفسه الذي يتكرر في كل موسم انتخابي:

هل ستنجح السياسة في استعادة معناها كخدمة للشأن العام؟
أم سنواصل مشاهدة نفس المشهد…
مرشحين يقفزون من حزب إلى آخر،
مثل قرد الحلقة الذي يغير حركاته،
لكن يبقى الهدف واحداً:
إمتاع الجمهور… لا تمثيله.

وفي انتظار الجواب، يبقى المؤكد أن المواطن المغربي أصبح أكثر وعياً، وأكثر قدرة على قراءة هذه التحولات السياسية، وربما أكثر استعداداً هذه المرة لطرح السؤال الصعب:

من يمثلنا حقاً؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.