الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

على رصيف المحمدية… مات الحلم مرتين

م-ص

أروي لكم اليوم قصةً حزينة جدًا… ويا ليتني لم أستدعها من قاع الذاكرة، حيث ترقد الأشياء التي ندفنها خوفًا من وجعها. لكن بعض الحكايات، مهما حاولنا الهروب منها، تعود إلينا مثل ظلٍّ طويل عند الغروب، تتمدد فوق أرواحنا وتذكرنا بأن الزمن لا يمحو كل شيء.

كنا نعيش في المنطقة السفلى لمدينتنا الصغيرة، المحمدية، تلك الرقعة التي كانت تتنفس ببساطة الناس، وتستيقظ كل صباح على ضحكات الأطفال المتراكضة في الأزقة، وعلى رائحة الخبز الساخن المتسللة من النوافذ الخشبية العتيقة. كانت الحارات تضيق بنا أحيانًا، لكنها تتسع لأحلامنا أكثر مما نتخيل.

هناك، دخلنا المراهقة صغارًا، بلا دروع تحمينا ولا حذر يقي قلوبنا من الخدوش الأولى. كنا نحمل قلوبًا بيضاء، ناصعة كقمصان المدرسة في أول يوم من العام، ونصدق بسذاجة جميلة، أن الحب وحده يكفي ليحمي العالم، وأن العاطفة الصافية أقوى من الفوارق، وأصدق من الحسابات، وأبقى من الزمن نفسه.

لم نكن نعرف أن المدن تكبر أسرع من أحلامنا، وأن الرصيف الذي شهد أول نظرة، قد يشهد أيضًا آخر وداع.

في الشطر الثاني من سبعينات القرن الماضي، ين كانت المدينة أبطأ إيقاعًا وأهدأ صخبًا، اشتهرت بيننا قصة حب، لم تكن عادية. كان هو شابًا من أسرة متواضعة -حتى لا نقول متوسطة- وسيمًا، طويل القامة، يحمل في مشيته شيئًا من الكبرياء الصامت، وفي عينيه حلمًا لا يبوح به لأحد. وكانت هي شابة شقراء، قصيرة القامة، لكنها كانت تفيض جمالًا حقيقيًا، جمالًا لا يحتاج إلى زينة. تنتمي إلى أسرة ميسورة، تسكن حيًا شبه راقٍ، تحيط بها عناية خاصة، وسياج غير مرئي من التوقعات.

لم يكن ممكنًا أن ترى الشاب خارج أسوار ثانوية ابن ياسين، دون أن تكون معه، كأنهما ظلّان لا يفترقان. كانت تمشي إلى جواره بخطوات صغيرة متناسقة، وهو ينحني قليلًا ليستمع إلى همساتها. حبٌّ عذريٌّ، طويل، نموذجي في الوفاء. لم نكن نرى فيهما مجرد ثنائي؛ كنا نرى احتمالًا جميلاً، لأن ينتصر القلب على الفوارق.

مرت الأعوام، وبدأت الحبكة الأولى في قصتهما تتشكل. سافر الشاب إلى دولة أوروبية، لمتابعة دراسته العليا. يوم وداعه، وقفت هي عند أطراف الحي، ترتدي ثوبًا أبيض، اعتادت عليه منذ الصغر، تلوّح له بيد مرتجفة. كان البياض يومها وعدًا بالانتظار، وكان الأفق مفتوحًا على أمل العودة.

بقيت هي في المدينة، تدرس وتكبر وتقاوم نظرات الشفقة أحيانًا، ونصائح الأقارب أحيانًا أخرى. كانت تقول لمن يسألها: “سيعود”. وكانت تقولها بثقة من يعرف طريقه.

سنوات مرت، وعاد الشاب. عاد وفي عينيه تعب الغربة، أكثر مما عاد بشهادات. لم يحصل سوى على مهنة فندقية بسيطة في الدار البيضاء، في فندق مصنف من عدة نجوم. كان يستيقظ فجرًا، يتنقل يوميًا بين مدينته الصغيرة ومقر عمله، يحمل حقيبته الصغيرة، وكأنه يحمل حياته كلها فيها. بدا لنا أن العودة، لم تكن كما تخيلها.

الخبر اليقين أن العلاقة لم تستمر بعد عودته. لا أحد يعرف بالضبط ماذا قيل بينهما. هل تغيّرا؟ هل بدّلت الغربة ملامحه؟ أم أن الانتظار الطويل أرهق قلبها؟ كل ما عرفناه أن المسافات التي اختصرت بالقطار بين المدينة والدار البيضاء، استعصت بين قلبين كانا يومًا متلاصقين.

مع مرور الأيام، بدأت صحة الشابة تتدهور. لم يكن المرض جسديًا فقط، بل كان شيئًا يتسلل من الداخل، يأكل الروح أولًا. أصبحت تتردد على مقاهي المدينة، تجلس وحدها، ترتدي ذلك الثوب الأبيض نفسه، كأنها تعاند الزمن. كانت تدخن بشراهة، تبعث الدخان إلى السماء وكأنها ترسل رسائل لا يقرأها أحد.

تدهور جمالها بشكل مثير للدهشة. لم يعد البياض وعدًا، بل صار شبحًا. صار الناس يتهامسون: “لقد تغيرت… لم تعد كما كانت.” وبعضهم، بقسوة المعتادين على النهايات السريعة، قال إنها فقدت عقلها. لكننا كنا نعرف أن الذي فقدته ليس عقلها، بل حلمها.

في المقابل، كان الشاب يقضي أوقاته مع أصدقاء جدد، يسهر، يضحك، يحاول أن يبدو عاديًا. ربما كان يهرب بطريقته. ربما كان يظن أن الزمن كفيل بترميم ما تصدّع. لكن الزمن لا يرمم القلوب، إن لم تُرِد هي أن تُرمم.

لظروف لم يفصح عنها أحد، غادرت الشابة بيتها المحترم في الحي شبه الراقي، واستقرت في مقر جمعية خيرية. كيف حدث ذلك؟ هل اختلفت مع أسرتها؟ هل انهارت نفسيًا إلى درجة لم يعد البيت يحتملها؟ لم نكن نعرف. كل ما نعرفه أن البياض انتقل من شرفة مشرعة إلى غرفة ضيقة، وأن المدينة بدأت تنساها ببطء.

ومرت الأيام… ثم الشهور… ثم السنوات.

لم أعد أسمع عنها شيئًا. اختفت من المقاهي، من الأرصفة، من أحاديث النسوة. كأنها ذابت في الهواء. لم أعرف أين استقرت، ولا إن كانت ما تزال ترتدي الأبيض، أم أن الألوان هجرتها، كما هجرتها الأحلام.

أما الشاب، فقد كانت نهايته أكثر قسوة مما يحتمل السرد.

في ليلة عادية، عاد من سهرته. كان يمشي مع صديق له فوق رصيف الشارع الطويل بالمدينة، يتحدثان عن أمور ربما لا تهم الآن. كان الرصيف هادئًا، والليل ممدودًا مثل ستارة ثقيلة. فجأة، انحرفت سيارة يقودها رجل مخمور. صعدت فوق الرصيف بلا رحمة، بلا إنذار، كأن القدر قرر أن يكتب السطر الأخير بيده.

انتهت حياة الرجلين في لحظة.

وهكذا، مات البياض مرتين: مرة حين افترق القلبان، ومرة حين صمت القلب إلى الأبد.

هذه قصة لن تغيب عن أذهان طينة من أبناء المنطقة السفلى للمدينة. لأنها لم تكن مجرد حكاية حب، بل كانت مرآة لجيل كامل صدّق أن العذوبة تكفي، وأن الانتظار فضيلة لا تُكافأ إلا بالوفاء.

أحيانًا، حين أمرّ بالشارع الطويل، أتخيلهما كما كانا: هو طويل القامة، ينحني قليلًا ليستمع، وهي قصيرة ترتدي الأبيض، تضحك بخفة. ثم أعود إلى واقعي، فأدرك أن بعض القصص لا تنتهي حين يموت أبطالها، بل حين نتوقف نحن عن تذكرهم.

ولأنني لم أتوقف… ما زال البياض يلمع في ذاكرتي، كلما حلّ المساء على مدينتنا الصغيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.