
ضربة قلم
بعد مرور يوم كامل على الحادث البحري، الذي هزّ الرأي العام المحلي، لا يزال شاطئ عين الذياب بالعاصمة الاقتصادية، يعيش على وقع تداعيات سقوط عشرات الحاويات في عرض البحر قبالة مدخل ميناء الدار البيضاء، في واقعة وُصفت بأنها من بين أبرز الحوادث البحرية المسجلة في السنوات الأخيرة بسواحل الدار البيضاء.
الجمعة 27 فبراير 2026 لم تكن يوماً عادياً على الساحل. فمع أولى ساعات الصباح، عادت الأمواج لتلفظ حاوية جديدة قرب محيط مارينا الدار البيضاء، ما أعاد الحادث إلى واجهة النقاش، بعد أن اعتقد كثيرون أن الخطر بات محصوراً في عرض البحر.
ماذا جرى فعلاً؟
المعطيات المتوفرة إلى حدود مساء الجمعة، تشير إلى أن السفينة، أثناء مغادرتها الميناء ليلة الأربعاء – الخميس، واجهت اضطراباً بحرياً ملحوظاً تزامن مع مرحلة حساسة من المناورة عند عبور البوابة البحرية.
اختلال التوازن، أدى إلى سقوط ما يقارب 85 حاوية في المياه، وفق الأرقام الأولية المتداولة.
لكن السؤال الجوهري اليوم لم يعد: كم عدد الحاويات التي سقطت؟
بل أصبح: أين استقرت؟ وما الذي تحمله؟
“الصَّرّات” التي أعادها البحر
في التداول الشعبي والإعلامي المحلي، برزت كلمة “الصَّرّة” لوصف الحاويات، أو الأجزاء، التي لفظتها الأمواج نحو اليابسة.
والواقع أن ما تم رصده إلى حدود اليوم يشمل:
-
حاوية كاملة ظهرت صباح الخميس ثم جرى تأمين محيطها.
-
حاوية جديدة رُصدت صباح الجمعة.
-
أجزاء من بضائع متفرقة، من بينها مواد غذائية معلبة، ومنتجات استهلاكية، انجرفت نحو الشاطئ.
هذه المشاهد، التي وثقها مواطنون بهواتفهم، خلقت حالة من الفضول وأحياناً الفوضى، ما استدعى تدخل السلطات لتطويق المنطقة ومنع اقتراب الفضوليين.
عمليات التمشيط… سباق مع التيارات
منذ مساء الخميس، دخلت العملية مرحلة أكثر تنظيماً:
-
تحليق مروحية لرصد الحاويات العائمة.
-
استعمال زوارق صغيرة لتحديد مواقع الصناديق الطافية.
-
تمشيط الشريط الساحلي لمنع انجراف محتويات إضافية.
-
تنسيق بين السلطات المينائية، الوقاية المدنية، والدرك البحري.
المعضلة التقنية تكمن في أن بعض الحاويات، قد لا تطفو بالكامل؛ إذ يمكن أن تبقى شبه مغمورة، ما يشكل خطراً على الملاحة وعلى قوارب الصيد الساحلي.
التحقيق التقني… أين تتجه الأنظار؟
التحقيق الجاري يركز على ثلاث فرضيات رئيسية:
-
الظروف الجوية والبحرية لحظة المغادرة.
-
توازن توزيع الحمولة داخل السفينة.
-
سلامة تثبيت الحاويات وفق المعايير الدولية.
ورغم أن البحر الهائج، عنصر حاضر بقوة في الرواية الأولية، إلا أن الخبراء يؤكدون أن السفن التجارية، مهيأة للتعامل مع اضطرابات متوسطة، ما يجعل مسألة تثبيت الحاويات محوراً حساساً في التحقيق.
أبعاد اقتصادية وبيئية
الحادث لا يُقاس فقط بعدد الحاويات المفقودة، بل بتداعياته المحتملة:
-
اقتصادياً:
أي تأخير في حركة الملاحة بميناء بحجم ميناء الدار البيضاء، قد ينعكس على سلاسل التوريد، ولو بشكل ظرفي. -
بيئياً:
في حال احتوت بعض الحاويات على مواد قابلة للتلف أو مواد كيماوية، فقد يشكل ذلك تهديداً للمنظومة الساحلية. -
أمنياً:
ظهور بضائع على الشاطئ، يطرح تحدي ضبطها ومنع الاستيلاء غير القانوني عليها.
المشهد اليوم: حذر وانتظار
إلى حدود صباح الجمعة:
-
لا إعلان رسمي عن انتهاء عمليات الرصد.
-
لا تأكيد نهائي حول عدد الحاويات التي استُرجعت فعلياً.
-
استمرار المراقبة البحرية تحسباً لانجراف إضافي.
البحر هذه المرة لم يحتفظ بأسراره.
لقد أعاد جزءاً من الحادث إلى اليابسة، وترك البقية معلّقة بين عمق الماء، وتقارير الخبرة البحرية.
والأيام المقبلة كفيلة بالإجابة عن السؤال الأهم:
هل كان الأمر مجرد اضطراب بحري عابر… أم خللاً تقنياً يستدعي مراجعة أوسع لمنظومة السلامة؟




