الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

علي بابا و40 جمعية: جمعيات المجتمع المدني بين الشرف والسمسرة!

ضربة قلم

في المغرب، حين تسمع كلمة “جمعية”، يفترض أن تبتسم تلقائيًا، وأن تتخيل يدًا ممدودة للخير، مشروعًا صغيرًا لفائدة الأرامل، قافلة طبية في قرية نائية، أو دورة تدريبية تنقذ شبابًا من الضياع. لكن الحقيقة، كما تعلم، غالبًا ما تلبس قناعًا أنيقًا… وتخفي تحته “رباعة” من اللاعبين المحترفين في لعبة التمويل الخارجي، وتوزيع الصور الرسمية، والظهور في الصف الأمامي لأي نشاط فيه “ميكروفون ولفتة شكر”.
نحن اليوم أمام نسخة جديدة من “علي بابا”، لكن ليست في مغارة الكنز، بل في صالون فخم ممول من “مشروع دعم المجتمع المدني بشراكة مع…”.
علي بابا هذا لا يحمل سيفًا، بل حاسوبًا محمولًا وملفات عروض مشاريع (Dossiers bien ficelés)، أما الأربعون فليسوا حرامية بالضرورة، بل “مناضلون” موسميون، يعرفون توقيت الظهور في المنابر، ويتقنون “لغة الدعم”، ويجيدون التموقع بين الدولة والمواطن، دون أن يكونوا لا مع هذه ولا مع ذاك.
الجمعيات… عندما تنقلب الفكرة إلى صفقة
تأسيس جمعية في المغرب اليوم، أسهل من فتح محل “بيتزا” في حي شعبي. كل ما تحتاجه:
مجموعة “أصدقاء”
اسم جذّاب (يفضل أن يكون فيه كلمة: التنمية، المواطنة، الشباب، أو البيئة)
وكاميرا عالية الدقة
و”نية مبيتة”، إما للوجاهة أو للوصول إلى أهداف أخرى أقل نقاءً.
بمجرد التأسيس، تبدأ مرحلة الصيد في المياه العكرة:
تقديم طلبات الدعم من جماعة هنا، وتمويل من مبادرة هناك،
اقتناص فرصة لركوب أي ملف فيه “معاناة”، من الأرامل إلى الهجرة، ومن الماء الصالح للشرب إلى التحرش، ثم تحويل تلك المعاناة إلى تقرير مصور، و”هاشتاغ”، وربما نشاط بإفطار جماعي فيه بعض الوجوه الرسمية لزوم التوثيق!
السمسرية المقنّعة
لا نقول إن جميع الجمعيات فاسدة، بل هناك من تشتغل بصمت ونزاهة، وتحمل روحًا وطنية حقيقية.
لكن الطامة الكبرى تكمن في أولئك الذين:
يتلقّون تمويلًا باسم الأرامل، ويشترون به سيارة رباعية الدفع!
يرفعون شعار “تمكين النساء”، ويقضون أيام التكوين في فنادق مصنفة برفقة محاضرين مستوردين من الخارج.
ينظّمون أنشطة “تحسيسية”، ويفسّرون التحسيس على أنه إعلان ممول في صفحة فيسبوك مهجورة.
اللعب على الحبلين: فاعل جمعوي بالنهار، وسياسي عند الاقتضاء!
الكثير من رؤساء الجمعيات تجدهم:
في الصباح، يضعون قبعة المجتمع المدني: “نحن مع المواطن، ضد الفساد!”
في المساء، ينضمون إلى لجنة الدعم التابعة للجهة، أو يدخلون غمار الانتخابات بلائحة حزبية.
هكذا، تصبح الجمعية تمهيدًا لمشوار سياسي، أو منصة لاقتناص المناصب، أو حتى وسيلة لتبييض صورة عابسة.
الدعم المشروط: من يدفع الموسيقى، يختار اللحن!
بعض الجمعيات لا تشتغل إلا حين يصلها تحويل بنكي من “جهة داعمة”. هنا، تُكتب المشاريع حسب الطلب:
الجهة الأجنبية تطلب الحديث عن النوع الاجتماعي؟ سمعًا وطاعة!
هناك صيحة حول المناخ؟ فلنزرع ألف شجرة وهمية!
الممول يريد أرقامًا؟ نعطيه تقارير مزوّقة، بها صور أطفال يضحكون، ونساء يقدمن شهادات، ولو تم تصويرهن في نشاط آخر قبل عامين!
بين الشرف والسمسرة… ضاع الصوت الحقيقي
في خضم هذا الضجيج الجمعوي:
المواطن فقد الثقة في كل من يرفع شعار المجتمع المدني.
الجمعيات النزيهة تُقصى لأنها لا تُجيد لعبة “البهرجة”.
وتم اختزال المجتمع المدني في صورة “علبة بريد”، تمر عبرها تمويلات، وتُوزع عبرها المصالح.
من يراقب؟ ومن يحاسب؟
هنا سؤال يُطرح بقوة: من يراقب عمل هذه الجمعيات؟ هل نملك فعلًا آلية شفافة لربط التمويل بالنتائج؟
هل نتابع أثر مشاريعها بعد انتهاء التظاهرات؟
أم نكتفي ببعض الصور على الفيسبوك وبعض المجاملات في الصحف المحلية؟
خلاصة:
المجتمع المدني ليس مجرد ديكور ديمقراطي، ولا هو حقل للتجارب السياسية.
إما أن يكون صوتًا صادقًا للمواطن، أو مجرد دكانٍ صغير في شارع التمويلات.
وحين تختلط النوايا، ويتحول “علي بابا” إلى رمز للعمل الجمعوي، فلا عجب أن تضيع الثقة، وأن يصير المناضل الحقيقي هو ذاك الذي يشتغل بعيدًا عن الفلاش والميكروفون… و”ورقة الدعم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.