عمارات تتشقق وشكايات تُهمَل… البرلمان يسائل الداخلية عن فوضى البناء

ضربة قلم
يأتي السؤال الكتابي الذي وجّهه عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، إلى وزير الداخلية، ليعيد إلى الواجهة، واحدًا من أخطر أعطاب تدبير الشأن المحلي بالمغرب: الغش في البناء، وانهيار الثقة في منظومة المراقبة، وتضارب الأدوار بين المنتخب والسلطة المحلية.
فالقضية، كما يكشفها السؤال، لم تعد حادثًا معزولًا أو خللًا تقنيًا يمكن تداركه بإصلاح جزئي، بل تحوّلت إلى نمط مقلق يتكرر في مدن وجهات مختلفة، ويكاد يرسم خريطة وطنية لاختلالات البناء، حيث تتقاطع مصالح المقاولين، وتراخي المراقبة، وغموض مسؤولية التوقيع، في بيئة يغيب عنها الردع، ويحضر فيها منطق “دبر راسك”.
الصور ومقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي وثّقت تسربات مائية، وتشققات خطيرة، وعيوبًا بنيوية داخل عمارات حديثة العهد، مخصصة أصلاً لإيواء مستفيدين من برامج إعادة الإسكان بعمالة الصخيرات-تمارة، لم تثر فقط خوف الساكنة، بل طرحت سؤالًا أخطر:
كيف تمرّ هذه البنايات من تحت أعين لجان المراقبة؟ ومن وقّع على محاضر التسلم؟ ومن منح رخص السكن؟
هنا بالضبط تتجه أصابع الاتهام، لا بشكل مباشر ولكن ضمنيًا، نحو العمال ورؤساء الجماعات الترابية، باعتبارهم الحلقة المفصلية في مسلسل الترخيص والمراقبة. فالقانون يمنحهم صلاحيات واسعة، لكنه في المقابل يحمّلهم مسؤولية جسيمة، خصوصًا، عندما يتعلق الأمر بسلامة المواطنين، لا بمجرد مخالفات شكلية.
والسؤال الذي يطفو إلى السطح، كما في حالة مراكش، فاس، ومدن أخرى عرفت فضائح عمرانية مماثلة، هو:
هل يتم التأشير على هذه الخروقات “فابور” في إطار علاقات الزبونية والتغاضي المتبادل؟
أم أن الأمر يتم بمقابل، كما كشفت عنه تحقيقات وأحكام قضائية سابقة هزّت الرأي العام، وأكدت أن الفساد في التعمير ليس مجرد نظرية مؤامرة، بل واقع موثّق بالأدلة؟
واقعة جماعة بني يخلف بعمالة المحمدية تأتي لتزيد الصورة قتامة، لأنها تُظهر أن الخلل لا يقتصر على المدن الكبرى، أو المشاريع الضخمة، بل يمتد إلى جماعات يفترض أن تكون المراقبة فيها، أسهل وأقرب. ومع ذلك، تتكرر نفس السيناريوهات:
بنايات تُشيَّد بسرعة، جودة مشكوك فيها، تسليم يمر بسلاسة، ثم تظهر العيوب بعد إسكان المواطنين، فيتحول الحلم بالسكن اللائق إلى كابوس يومي.
في هذا السياق، لا يطالب السؤال البرلماني فقط بفتح تحقيق تقني في أسباب التشققات والتسربات، بل يلامس جوهر الإشكال:
مدى احترام المعايير القانونية والتقنية، ونجاعة آليات المراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالدولة، حين تطلق برامج لإعادة الإيواء ومحاربة السكن غير اللائق، تراهن على تحسين كرامة المواطن، لا على تعريضه لمخاطر جديدة. وأي تساهل أو تواطؤ في هذا المجال، لا يمكن اعتباره خطأ إداريًا بسيطًا، بل مسؤولية جسيمة قد تفضي إلى خسائر بشرية لا قدّر الله.
من هنا، يبدو أن سؤال بووانو، يتجاوز كونه ممارسة رقابية عادية، ليصبح اتهامًا سياسيًا غير مباشر لمنظومة كاملة، ويضع وزارة الداخلية أمام امتحان صعب:
إما القطع مع منطق “الترقيع بعد الفضيحة”،
أو الاستمرار في إدارة الأزمات بمنطق ردّ الفعل، إلى أن تقع الكارثة.
فهل ستفتح تحقيقات شفافة تشمل كل المتدخلين، من مهندسين ومقاولين، إلى منتخبين وسلطات محلية؟
وهل سيتم الكشف للرأي العام عن نتائجها؟
أم أن الملف سيلتحق بغيره من الملفات، التي طُويت بصمت، في انتظار فضيحة جديدة، وضحايا جدد؟
أسئلة موجعة، لكنها ضرورية… لأن الغش في البناء ليس خللًا تقنيًا فقط، بل خلل أخلاقي وسياسي، يدفع ثمنه دائمًا المواطن البسيط، بينما يظل الفاعلون الحقيقيون في منأى عن المساءلة.




