الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

عمال أمام الكاميرا… ومشاكل المواطنين خلف الستار

ضربة قلم

في السنوات الأخيرة، شهد المغرب تحوّلاً غير مسبوق في شكل العلاقة بين السلطة والإعلام الرقمي، وهو تحوّل لم يكن ليكون مثيراً للقلق، لو لم يترافق مع ظواهر شاذة تسللت إلى سلوك بعض المسؤولين الترابيين، وفي مقدمتهم بعض العمال. فبدل أن يكون العامل، بحكم موقعه ومهامه، رجل دولة منشغلاً بهموم السكان، منكبّاً على حلّ مشاكل التهيئة والسكن والنقل والأمن الاجتماعي، وجدنا أنفسنا أمام نماذج تبحث عن الخلاص الفردي في زمن «اللايف» و«التراند»، وتخوض حرباً ضروساً من أجل الظهور والتصوير والتصدر.

تحوّل غريب في الوظيفة العمومية
الوظيفة الإدارية العليا، وخاصة منصب العامل، لم تكن يوماً وظيفة للعرض أو الاستعراض؛ بل إدارة معقدة تُبنى على الصمت والعمل والنتائج. لكن الواقع اليوم يُظهر انقلاباً في المعادلة: بعض العمال صاروا يهرولون نحو الكاميرات والهاتف، كما لو كان «التصوير» جزءاً من المهام المنصوص عليها في الظهير.
نراهم يفتحون الباب لكل من يحمل هاتفاً، مهما كان مستواه أو خلفيته، يمدّون تصريحات باردة، يوزّعون خطابات تلطف، ثم يغادرون المكان بابتسامة شبه عريضة، دون اتخاذ قرار واحد قابل للقياس أو المراقبة.

قنوات اليوتيوب: صناعة العبث وشرعنة التفاهة
الإشكال لا يكمن فقط في المسؤول الذي يبحث عن الصورة، بل في البيئة التي منحت الصورة قوةً أكبر من الفعل. قنوات «اليوتيوب» التي تُفتح في دقائق، دون تأهيل أو تحمّل مسؤولية مهنية، صارت تتغذى على المشاهدات، وتبحث عن أي مسؤول يقبل أن يُزوّدها بمحتوى يومي، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة.
وبدل أن يكون العمل الميداني للصالح العام، صار بعض المسؤولين يلبي «الحاجة الإعلامية» لصانعي المحتوى، ويتحوّل إلى جزء من ماكينة «التراند»، كأنه مدوّن يبحث عن «اللايكات» وليس ممثلاً للدولة.

من المصالح العامة إلى المصالح الشخصية
حين تتداخل الصورة مع السلطة، تصبح النتيجة معروفة: مصالح شخصية، علاقات محسوبة، شبكات نفوذ صغيرة تُبنى في الهامش، وجمعيات تستيقظ فقط حين تسيل الكاميرات. بعض العمال، ممن ذُكروا، لم يعد يدير العمالة، بل يدير شبكة علاقات يستثمر فيها الحضور الإعلامي، لكسب نقاط هنا، وامتيازات هناك.
وجد هؤلاء أن الكاميرا أسرع طريق للوصول، وأقصر جسر نحو «التعيين اللاحق»، «التنويه»، أو «إبعاد الشبهات». فصاروا يلجؤون إليها، كما يلجأ الغريق إلى خشبة عائمة.

المفارقة الصادمة: ظهور أكثر من الملك
الملك في المغرب، رغم مركزيته الدستورية والسياسية، يحافظ على تقليد عريق: الظهور عندما يكون الظهور واجباً، والصمت عندما يكون العمل أهم من الخطاب.
أما بعض العمال، فقد انقلبت عندهم القيم، وصارت شاشات الهاتف، تظهر صورهم وتصريحاتهم وأنشطتهم الصغيرة، أكثر مما يظهر رأس الدولة نفسه.
وهذا ليس مجرد تناقض بروتوكولي، بل ضرب لهيبة المؤسسات، وخفوت للبنية الرمزية التي تمنح السلطة معناها.

انعكاسات هذا السلوك على حياة المواطنين
في ظل هذا الانخراط الهوسي في «صناعة الصورة»، تاهت الأولويات الملحة:

  • أزمات البنية التحتية

  • انتشار الفقر الحضري

  • مشاكل النقل والماء والكهرباء

  • ضعف الحكامة الترابية

  • وتزايد الاحتقان الاجتماعي
    المواطن لا يحتاج مسؤولاً مبتسماً أمام الكاميرا، ممن يبحث عن الهمزات في الكواليس، بل يحتاج قراراً واضحاً، حلاً عملياً، أو رؤية تسير نحو المستقبل. لكن هؤلاء وجدوا في الصورة، ملاذاً من المسؤولية، وفي الكاميرا حجاباً يخفي العجز والتقصير وأشياء أخرى.

الإدارة العمومية تحتاج إلى رجال دولة لا مشاهير
المغرب اليوم يعيش مرحلة دقيقة:
إصلاحات دستورية، مشاريع استراتيجية، رهانات كبرى في الاستثمار والطاقة والبنية الصناعية.
لا يمكن مواجهة هذا العصر بمنطق «الظهور»، أو «التلميع»، أو «التسويق الشخصي».
الدولة تحتاج مسؤولين يشتغلون في الميدان، لا مؤثرين على «يوتيوب». تحتاج رجال دولة، لا نجوم شاشة.

سؤال المستقبل: هل يتغير هؤلاء أم تتغير الوسائل؟
ربما أخطر ما في الظاهرة، أنها باتت «عادلة» بين الفاشلين والناجحين؛ فالفاشل يلتجئ للصورة، كي يغطي ضعفه، والناجح قد يستعملها لإبراز أتفه اجتماع.
لكن متى تصبح الصورة نتيجة العمل، لا بديلاً عنه؟
ومتى يعود العامل إلى دوره الدستوري: حماية المرفق العام، إشراف على السياسات الترابية، ومواكبة التنمية، بدل تبادل “البوسان” مع المرشحين للاستحقاقات القادمة، ومطاردة الهواتف؟

الخلاصة
المغرب ليس في حاجة إلى «عمال مؤثرين»، بل إلى «عمال مؤثرين في الواقع».
ليس في حاجة إلى مسؤول يطلّ كل يوم على «يوتيوب»، بل إلى مسؤول يحضر في قراراته، غائب في فراغ الخطابات.
فالبلاد لا تُبنى بالصورة، بل بالسياسة.
ولا تتقدم بالظهور، بل بالإنجاز.

وبين عامل يشتغل وعامل يستعرض، يظل التاريخ شاهداً:
الأول يبقى، والثاني يذوب مع أول إغلاق للقناة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.