الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

عندما احتجّ حراس العدالة على وزيرها: سنوات وهبي بين القوانين والوقفات والغضب الصامت

ضربة قلم

لم تشهد وزارة العدل في تاريخها القريب والبعيد، مشهدًا يشبه ما عرفته خلال ولاية الوزير عبد اللطيف وهبي. فخلال فترة قصيرة نسبيًا، خرجت إلى الواجهة مهن يفترض فيها الهدوء والاشتغال داخل النصوص لا في الشارع: المحامون، والعدول، وكلهم وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة، مع مشاريع قوانين، قالوا إنها تمس بجوهر مهنتهم، وبما راكموه من مكتسبات عبر عقود.

لم يكن الأمر مجرد خلاف تقني حول فصل أو مادة قانونية، بل تحوّل إلى ما يشبه صراع فلسفتين:
فلسفة حكومية تقول إن الإصلاح يقتضي إعادة ترتيب المهن القضائية،
وفلسفة مهنية، ترى أن ما يجري هو تقليص للأدوار، وتوسيع لسلطة الإدارة على حساب الاستقلال المهني.

هل العدول غرباء عن الاحتجاج؟

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه:
هل ما نراه اليوم من احتجاجات العدول أمر غير مسبوق؟

الجواب التحليلي يقول:
لا… لكنه غير معتاد بهذه الكثافة، وبهذا الوضوح السياسي.

فالعدول تاريخيًا كانوا يتحركون بهدوء:
مراسلات، بلاغات، لقاءات مغلقة، ضغط ناعم داخل المؤسسات.
أما في عهد وهبي، فقد خرجوا وييخرجون من منطقة الظل إلى الضوء،
ومن لغة المذكرات إلى لغة التوقف عن العمل،
ومن قاعات التوثيق إلى عتبات البرلمان.

وهنا يكمن التحول الكبير:
لم تعد المهنة تكتفي بالشكوى، بل أعلنت العصيان المهني المؤقت.

لماذا انفجر الاحتقان في هذا العهد بالذات؟

لأن مشاريع القوانين الجديدة، لم تُقرأ عند المهنيين بوصفها تحديثًا فقط،
بل قُرئت بوصفها:

  • إعادة توزيع للسلطة داخل منظومة العدالة

  • إدخال المهنة تحت رقابة أشد للإدارة

  • تقليص هامش الاستقلال في اتخاذ القرار المهني

  • توحيد القواعد بطريقة تُلغي خصوصية بعض المهن

بمعنى آخر:
العدول والمحامون شعروا أن الإصلاح يتم عنهم لا معهم.

وهذا الإحساس أخطر من أي مقتضى قانوني،
لأنه يولّد شعورًا بأن المهنة، لم تعد شريكًا في التشريع،
بل موضوعًا للتشريع فقط.

وزارة العدل… بين منطق الدولة ومنطق المهنة

من جهة الدولة، يُقال:
نحن نُصلح، نُرقمن، نُوحد المساطر، ونُحارب الفوضى.

ومن جهة المهنيين، يُقال:
أنتم تُحوّلون المهنة إلى وظيفة إدارية،
وتُفرغونها من بعدها الأخلاقي والرمزي.

وهنا يظهر التناقض:
الدولة تريد النجاعة،
والمهن تريد الكرامة المهنية.
والقانون يقف بينهما مثل حبل مشدود.

من انتصر؟

سؤال يبدو بسيطًا… لكنه في العمق معقد:

  • لم تنتصر الوزارة بالكامل، لأنها اضطرت إلى التراجع الجزئي، وإعادة النقاش، وفتح باب التعديل.

  • ولم ينتصر المهنيون بالكامل، لأن كثرة القوانين سارت في مسارها ولم تُسحب جذريًا.

النتيجة الحقيقية هي:
لا غالب ولا مغلوب… بل جرح مفتوح داخل منظومة العدالة.

احتجاجات المحامين، وتوقف العدول، 
كلها تقول شيئًا واحدًا:
إن الإصلاح القانوني حين يتم دون رضا أهله،
يتحوّل من تحديث إلى أزمة ثقة.

كيف سيتذكر التاريخ هذه المرحلة؟

ربما سيقرأها التلاميذ يومًا هكذا:

في عقد العشرينيات من القرن الحادي والعشرين،
شهدت العدالة المغربية مرحلة توتر غير مسبوقة بين السلطة التنفيذية والمهن القضائية،
بسبب مشاريع قوانين تنظيمية أعادت طرح سؤال:
من يملك الحق في رسم ملامح العدالة… الدولة أم أهل العدالة؟

وسيسألون:

  • لماذا أضرب المحامون؟

  • لماذا توقف العدول؟

  • لماذا خرجت المهن عن صمتها التاريخي؟

وسيكون الجواب الأرجح:
لأن القانون كُتب بسرعة…
والثقة تُبنى ببطء.

الخلاصة السياسية العميقة

ما وقع ويقع ليس مجرد احتجاجات مهنية،
بل لحظة اختبار لعلاقة الدولة بالمجتمع المهني.

إما أن يكون الإصلاح تشاركيًا،
أو يكون القانون مشروع أزمة مؤجلة.

وفي عهد وهبي،
لم يكن الصراع حول مواد قانونية فقط،
بل حول من يملك حق تعريف العدالة:

هل هي نصوص تُصاغ في المكاتب؟
أم مهنة تُمارس في الواقع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.