الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعالشأن المحلي

عندما استيقظت المحمدية على صوت المناشير.. وبدأ النخيل يستعد للانتخابات!

ضربة قلم

في السياسة، لا توجد أشياء تحدث صدفة، وهناك أشياء تحدث بتوقيت دقيقـ يكاد ينافس دقة الساعات السويسرية.

ومن بين الأشياء التي تستحق التأمل في المحمدية، أن رئيس جماعة المحمدية، هشام أيت مانة، ظل لسنوات في موقع المسؤولية، بينما كان جزء كبير من اهتمامه منصباً على تدبير شؤون كرة القدم ورئاسة الوداد البيضاوي، قبل أن يغادر رئاسة النادي، تحت ضغط الأحداث، ثم فجأة، ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن المدينة، اكتشفت أن لديها شوارع تحتاج إلى التهيئة، وأرصفة تحتاج إلى الإصلاح، وأشجاراً تحتاج إلى التقليم، ونخيلاً يحتاج إلى الإزالة أو إعادة الترتيب.

والحكاية، كما بدأت تتداول في المدينة، انطلقت من شارع الشرفاء بالعالية بالمحمدية.

هنا بالضبط تبدأ الأسئلة، وليس بالضرورة الأجوبة.

فإذا كانت عملية إزالة أو إعادة تهيئة النخيل، جزءاً من برنامج عمومي مدروس، فلماذا لم تبدأ قبل أشهر أو سنوات؟ ولماذا اختار هذا الورش، أن يخرج إلى الوجود في هذه اللحظة بالذات، أي ونحن نقترب من انتخابات 23 شتنبر؟

هل اكتشفت الجماعة فجأة، أن النخيل مشكلة؟ أم اكتشف المسؤولون أن النخيل يمكن أن يكون أيضاً فرصة لالتقاط الصور، وإظهار الحركة، وإقناع المواطن بأن عجلة الإصلاح بدأت تدور؟

طبعاً، قد يقول قائل: وما المشكلة في أن تقوم الجماعة بأشغال قبل الانتخابات؟

لا مشكلة إطلاقاً.

بل العكس، إذا كانت الأشغال ضرورية ومبرمجة وممولة بشكل قانوني، فنحن أول من يرحب بها.

لكن الديمقراطية لا تمنع المواطن من السؤال عن التوقيت والكلفة والأولوية والشفافية.

فالمواطن ليس مجرد ناخب، يتم تذكره كلما اقترب موعد الاقتراع، ثم يتم نسيانه بمجرد انتهاء الانتخابات.

والمحمدية، بكل مشاكلها، ليست في حاجة إلى «حملة انتخابية على عجلات»، ولا إلى عمليات تجميل سريعة، توحي بأن المدينة، دخلت فجأة إلى ورش إصلاحي شامل.

المدينة تحتاج إلى سياسة حضرية واضحة ومستمرة، لا إلى جرعات مركزة من الأشغال، قبل صناديق الاقتراع.

من شارع الشرفاء تبدأ الحكاية

أن تبدأ العملية من شارع الشرفاء بالعالية، ليس تفصيلاً عابراً في نظر سكان المدينة.

فحين يرى المواطن المناشير تعمل، والعمال يتحركون، والنخيل يُزال أو يعاد ترتيب المشهد الحضري حوله، فمن الطبيعي أن يسأل:

لماذا الآن؟

وهل العملية، تدخل ضمن برنامج سنوي معروف؟
وهل سبق أن تمت المصادقة عليها، ضمن مقررات المجلس؟
ومن قررها؟
وما هي الكلفة؟
ومن هي الجهة التي ستتكلف بها؟
وهل توجد دراسة تقنية وبيئية؟
وهل الأمر يتعلق فعلاً بإعادة تأهيل حضري، أم بمجرد عملية تجميل انتخابية؟

هذه ليست أسئلة عدائية.

هذه هي الأسئلة، التي ينبغي أن يطرحها أي مواطن، في مدينة تحترم نفسها.

لأن المال العام، ليس ملكاً للمسؤول، والمساحات العمومية، ليست ملكاً للحزب، والأشجار ليست ديكوراً انتخابياً.

سنوات من الغياب… ثم استيقاظ على وقع الانتخابات؟

لكن السؤال الذي يفرض نفسه على المواطن المحمدي اليوم ليس: هل تحتاج المدينة إلى الإصلاح؟

فهذا أمر يعرفه الجميع.

السؤال الحقيقي هو: أين كان رئيس الجماعة طوال هذه السنوات؟

فالمحمدية، لم تستيقظ صباح اليوم على مشاكلها. المدينة ظلت، وما تزال، تعاني من إهمال قاتل طال شوارعها وأرصفتها وحدائقها وفضاءاتها العمومية، بينما تراكمت الاختلالات، وتراجعت جاذبية المدينة عاماً بعد عام.

الأرصفة كانت تحتاج إلى الإصلاح، والطرقات كانت تحتاج إلى العناية، والحدائق كانت تحتاج إلى التأهيل، والنخيل كان موجوداً، وأحياء المدينة مازالت تحتاج الإمنارة العمومية، مظاهر الإهمال، كانت ماثلة أمام أعين الجميع.

فلماذا لم تتحرك الآليات بهذا الحماس قبل سنوات؟

ولماذا لم نرَ هذه الحركية إلا الآن، ونحن على بعد أسابيع من الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر؟

لا أحد يعترض على إصلاح المدينة، بل إن سكان المحمدية أول من يطالب بذلك. لكن من حقهم أيضاً أن يسألوا المسؤول الذي تحمل تدبير شؤون الجماعة:

أين كنتَ عندما كانت المدينة تحتاج إلى كل هذا؟

فالمدينة لا تحتاج إلى صحوة موسمية، ولا إلى أوراش تستيقظ مع اقتراب الانتخابات، ثم تخفت بعد انتهائها.

المحمدية تحتاج إلى عمل مستمر، وإلى رؤية واضحة، وإلى مسؤول يتذكر المدينة طوال الولاية، لا فقط عندما يقترب موعد طلب أصوات سكانها.

ولهذا، فإن المواطن المحمدي لا يرى اليوم، مجرد منشار يقطع النخيل، بل يرى أمامه سؤالاً أكبر:

لماذا الآن؟

«عميد الطبالة»… من مسح الأحذية إلى مسح المسؤولين!

والقصة لا تتوقف عند النخيل.

ففي كل موسم انتخابي تقريباً، تظهر بعض الأصوات التي لا تحتاج إلى برنامج ولا إلى حصيلة ولا إلى أرقام… يكفيها حنجرة قوية، وذاكرة انتقائية، واستعداد دائم للتطبيل والتزمير.

لكن في حالتنا هذه، المفارقة أكثر طرافة، لأن «عميد الطبالة» لم يكن لقباً من فراغ؛ فقد كان في الماضي يمارس، وبصدق، مهنة ماسح الأحذية.

واليوم، يبدو أنه لم يتخلَّ عن المهنة تماماً، وإنما انتقل بها إلى نسخة أخرى أكثر حداثة!

فبدل أن يمسح الأحذية، أصبح يمسح صورة المسؤول؛ يلمّع الشخص، ثم يلمّع الإنجاز، ثم يلمّع العملية الانتخابية نفسها، حتى يصبح تحريك بعض النخيل في المحمدية وكأنه فتحٌ تاريخي يستحق الأبواق والزغاريد.

والطريف أن المواطن لا يحتاج إلى كثير من الذكاء، ليفهم الفرق بين مهنة قديمة كانت تُمارس بالأيدي، ومهنة جديدة تُمارس بالكلمات والتصفيق والتطبيل.

أما الحديث عن وجود مقابل مادي أو مصالح أو امتيازات وراء هذا التطبيل، فذلك يحتاج إلى دليل، ونحن لا نرمي الناس بالاتهامات دون حجة.

لكن ما يمكن قوله ببساطة هو أن الطبل الانتخابي، بدأ يشتغل مبكراً… والنخيل، لم يفعل سوى أن أعطاه الإيقاع!

هل أصبح النخيل مرشحاً للبرلمان؟

ربما يكون أكثر ما يثير السخرية في المشهد، أن النخيل نفسه أصبح، من حيث لا يدري، جزءاً من الحملة.

فالمرشح يقول: «انظروا ماذا فعلنا».

والمدافع يقول: «انظروا إلى الإنجاز».

والمواطن ينظر إلى النخلة ويقول:

«الله يرحم الوالدين، ولكن شكون غادي يشرح لينا علاش دابا؟»

وهنا تصبح النخلة، أكثر ذكاءً من بعض السياسيين.

فهي لا تتحدث، لكنها تترك وراءها سؤالاً.

والسؤال في السياسة، أخطر من الجواب الجاهز.

المحمدية لا تحتاج إلى «فلاش انتخابي»

المحمدية، تحتاج إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه:

الاستمرارية.

أن تعمل الجماعة طوال الولاية، وليس في الأسابيع الأخيرة منها.

أن تكون الأشغال جزءاً من برنامج معلن، وليس مفاجأة انتخابية.

أن يعرف المواطن أين تصرف أمواله.

أن يعرف لماذا أزيلت هذه الأشجار، وما البديل عنها.

أن يعرف هل هناك تصور بيئي وجمالي للمدينة.

وأن يعرف، قبل أن يدخل إلى مكتب التصويت، ماذا تحقق فعلاً وماذا بقي مجرد وعود.

أما أن تتحول المدينة، إلى ورش كبير قبل الانتخابات، ثم تعود بعد الاقتراع إلى سباتها المعتاد، فهذه ليست سياسة حضرية.

هذا يسمى في لغة الانتخابات:

«شدّ الانتباه قبل ما يسدّ الصندوق!»

والمواطن ليس غبياً

أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه أي سياسي هو أن يعتقد أن المواطن، لا يرى إلا ما يقدم له أمام الكاميرا.

المواطن يرى الطريق، قبل إصلاحها.

ويرى الرصيف، قبل تبليطه.

ويرى الحديقة، قبل تجميلها.

ويرى النخلة، قبل قطعها.

ويرى المسؤول طوال الولاية، وليس فقط خلال الأسابيع السابقة للاقتراع.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:

«ماذا تفعل الجماعة اليوم؟»

بل:

«ماذا فعلت الجماعة خلال السنوات الماضية؟»

والفرق بين السؤالين، هو الفرق بين الديمقراطية الحقيقية، والدعاية الانتخابية.

فإذا كانت إزالة النخيل ضرورية، فلتتم.

وإذا كانت تهيئة شارع الشرفاء بالعالية ضرورية، فلتتم.

وإذا كانت هناك أشغال أخرى ضرورية، فلتتم.

لكن ليكن كل ذلك في إطار برنامج معلن، وبشفافية، وباحترام للمال العام، وبحسابات واضحة، وبمنطق المصلحة العامة.

أما أن يصبح كل رصيف منصة انتخابية، وكل نخلة «إنجازاً»، وكل منشار موسيقى انتخابية، وكل مطبل خبيراً في التنمية الحضرية…

فهنا لا يسعنا إلا أن نقول:

الله يعاون هاد النخيل… دخل حتى هو للحملة الانتخابية!

ويبقى المواطن هو الحكم.

فهو الذي سيدخل يوم 23 شتنبر إلى المعزل، بعيداً عن المناشير، بعيداً عن مكبرات الصوت، بعيداً عن المطبلين، وبعيداً عن كل عمليات تلميع الأحذية السياسية.

هناك، وحده، يستطيع أن يجيب عن السؤال، الذي لا تستطيع أي حملة انتخابية، أن تجيب عنه نيابة عنه:

هل كنتَ راضياً عن الحصيلة طوال الولاية… أم أنك تذكرتَها فقط عندما بدأ النخيل يُزال؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.