الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

عندما تبكي القلوب الصافية: طينة الطيبة في زمن الخراب

محمد صابر

اليوم، وحتى لا نتهم أننا نضع نظارات سوداء فوق عيون من يتابعون موادنا، نقرر أن نتوقف قليلاً عن الزخم اليومي، عن ضوضاء الأخبار، عن صخب المدن، عن السباق المستمر بين الطموحات، لننظر إلى ما هو أبسط، وأصفى، وأرقّ: الطينة… طينة البشر، طينة القلوب.

وللأسف، تشكل الطينة الطيبة استثناءً نادراً في هذا العالم، استثناءً رائعاً في خضم الحياة اليومية الصاخبة، في خضم السباق المحموم على المصالح، على المكاسب، على الألقاب، على صورٍ يفتعلها الناس لإقناع أنفسهم أنهم أفضل مما هم عليه فعلاً.

نحن نتحدث عن أصحاب القلوب الطيبة، أولئك الذين تسعد نفوسهم حين يرون الآخرين يصعدون، ويشعرون بألمٍ خفي حين يرون أحدهم يتعثر، يسقط، يئن. قلوب لا تحمل في طياتها الغيرة المسمومة، ولا تحوي في دواخلها غشاوة الحسد أو الرغبة في إسقاط الآخر. قلوب بريئة من الجماعات التي على بالكم، من تلك الجماعات التي تتنافس على السلطة، على النفوذ، على سمعة مؤقتة، على وهْم التفوق الزائف.

إنها قلوب أنصع من فؤاد أم موسى، قلبها صافٍ كنبع ماءٍ في صباح بارد، قلبها نقِي كقمرٍ يضيء ظلام ليلة صامتة، قلبها لا يعرف المكر ولا الحسابات الخفية. هذه القلوب تحمل في الداخل قدرة عجيبة على الحب، على التفهم، على العطاء بلا شروط، على العطف بلا مقابل. قلوب تجعلنا نؤمن بأن الإنسانية ما زالت حية، وأن البراءة لم تمت بعد، وأن الطيبة ليست مجرد فكرة ميتة بين دفاتر التاريخ، بل واقع ناعم، ملموس، يمكن لمسه في لمحة ابتسامة، في كلمة طيبة، في يد ممدودة للمحتاج.

في زحمة الحياة اليومية، في ضوضاء المدينة وصخب الأخبار، تمر هذه القلوب أحياناً من دون أن نراها، تمر هادئة، صامتة، لكنها تترك أثرها في كل من اقترب منها. تترك أثرها في وجوه الناس، في حكاياتهم الصغيرة، في الأمل الذي تولد عندهم، في لحظة ضعف تتحول فيها إلى قوة.

الطينة هنا ليست مجرد كلمة أو حرف، بل هي الطاقة الخفية التي تجعلنا أفضل مما نحن عليه. الطينة هي ما يبقي منّا إنسانيين حين ننسى أنفسنا في شوارع مزدحمة، حين نغرق في هواتفنا، حين نغفل عن جمال الروح خلف الوجوه. الطينة هنا هي القلوب النقية، الوجوه الصادقة، الابتسامة التي تأتي بلا مصلحة، العين التي تبكي مع الآخرين دون أن يعرف أحد.

ونحن، في هذه الوقفة الهادئة، نريد أن نحتفي بهذه الطينة، أن نسجل لها احترامنا، أن نرفع لها التحية. لأنها، على الرغم من استثنائيتها، ما زالت موجودة، ما زالت تحرك عجلة الأمل، ما زالت تُذكرنا بأن الحب والرحمة ليسا مجرد كلمات في كتب قديمة، بل واقع حي، ينبض في قلوب هؤلاء الذين نندر رؤيتهم، ونندر سماع قصصهم، ونندر أن نكتب عنهم.

فلنأخذ لحظة لننظر إلى حولنا، لنبحث عن هذه الطينة، لنقدر قلوبها، لنستمع إلى صمتها، لنحملها في ذاكرتنا. فربما في هذه اللحظة، في هذا التقدير الصامت، تصبح الطينة أكثر قوة، وأكثر إشراقًا، وأكثر قدرة على أن تصنع فرقًا صغيرًا، لكنه حقيقي، في عالم يبدو أحيانًا أنه فقد كل نقاءه.

وهكذا، نجد أن الطيبة ليست مجرد استثناء، بل رسالة خفية من الحياة، رسالة تقول لنا: “لا تفقدوا الأمل، لا تفقدوا الإنسانية، ولا تفقدوا القدرة على أن تكونوا طيبين، حتى لو كان العالم كله يركض خلف الظلال”.

الطينة، إذاً، هي القلوب الطيبة، الأنصع، الأكثر صدقًا، وأكثر قدرة على أن تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. قلوب أنصع من فؤاد أم موسى، قلوب تذكرنا بأن الطيبة موجودة، وأنها تستحق أن نرويها، أن نحتفي بها، أن نحميها في عالم يموج بالتعقيدات والمصالح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.