عندما تتحول الجمعية الاجتماعية إلى شركة استثمارية.. من يراقب حراس أموال المنخرطين؟

ضربة قلم
في الأصل، وُلدت الجمعيات الاجتماعية، لتكون مظلة للتضامن، لا منصة للاستثمار. جاءت لتخفف عن الموظف بعض أعباء الحياة، وتمنحه فرصة لامتلاك سكن، أو الاستفادة من خدمات اجتماعية وثقافية وترفيهية، أو الحصول على دعم في لحظات المرض والشدائد. إنها فكرة نبيلة، لا يختلف حولها اثنان، بل تشكل أحد أوجه التكافل الذي تحتاجه كل مؤسسة.
لكن، وكما يحدث في كثير من القصص الجميلة، يدخل بعض “الأبطال” من الباب الخلفي، فيتحول الفيلم من عمل اجتماعي إلى مسلسل طويل من الأسئلة التي لا تجد جواباً.
في المغرب، لا تكاد تجد قطاعاً إلا وله جمعيته الاجتماعية. التعليم، الجماعات الترابية، العدل، التكوين المهني، المؤسسات العمومية، الأبناك، وغيرها. آلاف المنخرطين، يؤدون واجبات الانخراط، وهم مقتنعون بأن مساهماتهم، ستعود عليهم وعلى أسرهم بالنفع.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تعود دائماً؟
أم أن بعضها يضيع في متاهات الأرقام، وبين الفواتير التي يبدو أنها تتغذى جيداً، فتنتفخ أكثر مما ينبغي؟
الغريب أن بعض الجمعيات، تبدأ حياتها بميزانية متواضعة، ثم بعد سنوات يصبح رئيسها خبيراً في العقار، ومقاولاً في البناء، ومستشاراً في الصفقات، ومهندساً في الفواتير، ومحاسباً يفهم في الأرقام، أكثر مما يفهم الحاسوب نفسه.
حتى إن المرء، يكاد يعتقد أن انتخاب رئيس جمعية اجتماعية أصبح، عند البعض، أقصر طريق إلى اكتشاف المواهب الدفينة في عالم المال والأعمال.
فالعمارة التي كان يفترض أن تُشيَّد لفائدة المنخرطين، تتحول أحياناً إلى مشروع يثير الكثير من علامات الاستفهام. الكلفة المعلنة شيء، والكلفة الحقيقية شيء آخر. وكلما ارتفع الإسمنت، ارتفعت معه الفواتير، وربما ارتفعت معها بعض الحسابات أيضاً.
أما الصفقات، فهي قصة أخرى تستحق جائزة في فن الإبداع الإداري.
الشركة نفسها، تفوز أكثر من مرة.
والمقاول نفسه، يصبح ضيفاً دائماً.
والأثمنة، لسبب لا يعرفه إلا أهل الاختصاص، ترتفع فجأة، كما ترتفع درجات الحرارة في منتصف يوليوز.
ولا أحد يسأل لماذا.
ولا أحد يشرح كيف.
ولا أحد يجرؤ على فتح دفتر الحسابات.
ولأن السخرية أحياناً أصدق من الوصف، فقد يخيل إليك أن بعض الفواتير، تعاني من مرض نادر يسمى “السمنة الورقية”. تدخل إلى الجمعية نحيفة، وتخرج منها وقد تضاعف وزنها مرات عديدة، دون أن تتغير الأشغال على أرض الواقع.
ثم تأتي المقتصديات، التي أُحدثت أصلاً لتخفيف العبء عن المنخرطين والمواطنين، فإذا بها في بعض الحالات، تتحول إلى فضاء يحتاج هو نفسه إلى من يراقبه.
المواطن يشتري.
والمنخرط يؤدي.
والجمعية تعلن عن خدمات اجتماعية.
لكن خلف الستار، قد تثار تساؤلات حول طرق التدبير، وهوامش الأرباح، وأساليب التسيير، ومدى احترام قواعد الشفافية والمنافسة.
الأكثر إثارة أن بعض المسؤولين عن هذه الجمعيات، يربطون علاقات واسعة مع رجال الأمن بمختلف رتبهم، ويتقربون من القضاة، ثم لا يلبثون أن يلقون الخطب عن التضامن ونكران الذات، لكنهم يحرصون في المقابل على إخفاء سياراتهم الفارهة بعيداً عن أنظار كل من قد يسأل: كيف انتقل صاحب العمل “التطوعي” من سيارة متواضعة إلى أسطول صغير؟ يبدو أن بعض الجمعيات، لا تصنع فقط الخدمات الاجتماعية، بل تصنع أيضاً قصص نجاح مالية تستحق أن تُدرَّس… إن عُرف سرها!
ويتحدثون عن العمل التطوعي، بينما حياتهم المادية تعرف، في نظر كثيرين، تطوراً يستحق دراسة اقتصادية مستقلة.
ويتحدثون عن خدمة المنخرطين، لكن المنخرط نفسه، لا يعرف في نهاية السنة أين ذهبت كل تلك المداخيل.
المشكل، ليس في وجود الجمعيات.
وليس في العمل الاجتماعي.
بل، في غياب ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالجمعية، ليست ضيعة خاصة.
وليست شركة عائلية.
وليست إرثاً، ينتقل من رئيس إلى آخر.
إنها مؤسسة، تقوم على أموال المنخرطين، وكل درهم يدخل إليها، يجب أن يكون معروف المصدر، وكل درهم يخرج منها، يجب أن يكون واضح الوجهة.
ومن حق المنخرط، أن يعرف تفاصيل الصفقات، وكيف تم اختيار الشركات، ولماذا رست الأشغال على هذا المقاول دون غيره، وما هي معايير المنافسة، وكيف صُرفت الميزانيات.
فحين تغيب الشفافية، تبدأ الشكوك في النمو أسرع، من أي مشروع سكني.
ولهذا، فإن أكبر خدمة، يمكن أن تُقدم لهذه الجمعيات، ليست التغاضي عن الاختلالات إن وجدت، بل حمايتها من كل من يحاول تحويلها إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية.
إننا لا نعمم، لأن في المغرب جمعيات اجتماعية كثيرة، يشهد لها المنخرطون بالنزاهة وحسن التدبير، ويقودها رجال ونساء يؤمنون، بأن المال الجماعي، أمانة قبل أن يكون رصيداً مالياً.
لكن وجود نماذج ناجحة، لا ينبغي أن يمنع من فتح الملفات التي تستوجب الافتحاص، كلما ظهرت مؤشرات تدعو إلى ذلك.
ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم، تقع على عاتق الجهات المخول لها قانوناً مراقبة تدبير المال الجمعوي والمؤسسات ذات الصلة، من خلال افتحاصات دورية وجدية، لا شكلية، تقوم على الوثائق والوقائع، بعيداً عن المجاملات أو الحسابات الضيقة.
بل إن الحاجة، أصبحت ملحة إلى مفتشين نزهاء، بالمعنى الحقيقي للكلمة، لا يكتفون بعدّ الأوراق، بل يطابقونها مع الواقع، ويقارنون الفواتير، بما أُنجز فعلاً، ويسألون السؤال الذي يخشاه كل من يسيء تدبير المال الجماعي:
أين ذهبت الأموال؟
فالمال الذي يجمعه آلاف المنخرطين، بعرق جبينهم، ليس ملكاً لأحد، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة للإثراء أو النفوذ.
وعندما يشعر كل مسؤول أن الفاتورة، قد يراجعها مفتش لا يعرف المجاملة، وأن الصفقة، قد تخضع لتدقيق حقيقي، وأن المال العام أو المال الجماعي، ليس بلا صاحب، عندها فقط، ستستعيد الجمعيات الاجتماعية رسالتها الأصلية.
رسالة التضامن…
لا رسالة “التضخم”… خاصة ذلك التضخم، الذي لا يصيب الأسعار وحدها، بل يصيب الفواتير أيضاً.




