عندما تُصبح المناصب غنائم: كيف يُفرغ استغلال النفوذ الإدارات من كفاءاتها؟

ضربة قلم
استغلال النفوذ في التعيينات والترقيات داخل الجماعات المحلية، الإدارات العمومية، وبعض المؤسسات التعليمية والجامعية، يمثل أحد أوجه الفساد البنيوي الذي يعوق تطور الحكامة الرشيدة ويقوض أسس العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. هذه الظاهرة لا تتجلى فقط في التفضيل غير المشروع لبعض الأفراد بناءً على قرابة عائلية، أو ولاءات سياسية، أو انتماءات حزبية، بل تتعداها إلى تكوين شبكات معقدة من المصالح المتبادلة التي تُدار في الخفاء وتُغلف بمظاهر قانونية شكلية تخفي في طياتها تلاعبًا سافرًا بمعايير الاستحقاق والكفاءة.
غالبًا ما يبدأ استغلال النفوذ في هذا السياق من لحظة الإعلان عن مباريات أو فرص شغل، حيث يتم إعداد “سيناريو” محكم تُحاك فيه خيوط النتائج مسبقًا. يُنادى على أسماء بعينها، يتم إعداد ملفاتها وتوجيهها، بل أحيانًا تُسرب المواضيع أو الأسئلة إلى مرشحين محسوبين على أصحاب القرار، في حين يُقصى آخرون رغم كفاءتهم ومؤهلاتهم الأكاديمية والمهنية. هذا التمييز المقصود يُفقد تلك المباريات مصداقيتها، ويخلق حالة من الإحباط العام وسط الفئات الشابة، خصوصًا أولئك الذين يرون في المؤسسات التعليمية أو الإدارية فضاءً للارتقاء الاجتماعي والمهني لا ساحة لصراع الولاءات والصفقات المبطنة.
أما داخل المؤسسات التعليمية والجامعية، فإن استغلال النفوذ في التعيينات والترقيات يتخذ طابعًا أكثر تعقيدًا ودهاءً. في بعض الحالات، لا تُمنح المناصب بناءً على معايير بيداغوجية واضحة أو إنتاج علمي حقيقي، بل تُوزع وفق منطق الزبونية والترضيات الحزبية أو الجهوية. أعضاء اللجان المكلفة بالانتقاء قد يكونون أنفسهم خاضعين لتوازنات خفية، وقراراتهم تأتي في الغالب نتيجة تفاهمات مسبقة تتغلب فيها المصالح على الكفاءة. يتجلى ذلك في تعيين أساتذة لا يملكون المؤهلات المطلوبة، أو في ترقيات تتم بسرعة مريبة، في مقابل تهميش آخرين يمتلكون خبرة طويلة وسجلًا علميًا معترفًا به، لكنهم يفتقرون إلى “الوساطة” أو “الظهر السياسي”.
تأثير هذا الاستغلال لا يتوقف عند حدود الفرد الذي حُرم من حقه في الترقية أو المنصب، بل يمتد إلى النسيج المؤسساتي ككل، إذ تنخفض جودة الأداء داخل المرافق العمومية، ويُصاب الموظفون بالإحباط واللامبالاة، وتُضرب معايير المنافسة الشريفة في مقتل. ويتفاقم الوضع حين تتحول هذه الممارسات إلى “عرف” غير مكتوب داخل المنظومة، بحيث يُصبح الحديث عن الاستحقاق أمرًا ساذجًا أو حتى مثيرًا للسخرية في نظر البعض، وكأن العدل نفسه صار ترفًا في منظومة مشبعة بالولاءات الضيقة وممارسات التمييز.
إن استغلال النفوذ بهذا الشكل يخلق نوعًا من “الاستقرار الزائف”، حيث تُحصّن المواقع والمناصب عبر شبكات الولاء لا عبر الكفاءة، مما يؤدي في النهاية إلى تفريغ المؤسسات من طاقاتها الحيوية، ويحولها إلى كيانات بيروقراطية راكدة، تعيد إنتاج الرداءة وتُقصي الكفاءات. بل إن بعض الإدارات أصبحت تُدار وفق منطق “التوريث الرمزي”، حيث تُمرر المناصب بين أفراد محسوبين على نفس الدوائر، وكأنها ملكية خاصة لا وظيفة عمومية. وقد يتعذر في كثير من الحالات فضح هذه الممارسات بسبب صعوبة إثباتها أو تشابك المصالح داخل المنظومة، مما يزيد من تعقيد محاربة الظاهرة ويضعف ثقة المواطن في جدية الإصلاحات المعلنة.
في النهاية، فإن محاربة استغلال النفوذ في التعيينات والترقيات لا يمكن أن تتم عبر إجراءات شكلية أو شعارات ظرفية، بل تستدعي إصلاحًا عميقًا للمساطر القانونية، وتفعيلًا حقيقيًا لمبدأ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب حماية المبلغين وضمان استقلالية اللجان المعنية بالانتقاء والترقي. بدون ذلك، ستبقى مظاهر الظلم قائمة، وسيستمر إحباط الكفاءات، وسيتواصل النزيف الصامت الذي ينهش جسد المؤسسات العمومية من الداخل.




