
ضربة قلم
إذا كانت خرجة عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، قد جاءت متأخرة جدًا جدًا جدًا، فإنها رغم ذلك حصدت ملايين من مشاهدات المفتونين بـ”الديمقراطية الحلوة”، أولئك الذين يفرحون بالتصريحات أكثر من النتائج، ويؤمنون أن الإصلاح يبدأ عادة بالكلام… وينتهي به أيضًا.
فقد جاء السيد الوزير إلى البرلمان وهو يحمل في جيبه “قنابل كلامية” فجّرت حماس النواب والمواطنين معًا، عندما تحدث بنبرة حازمة، كأننا أمام جنرال أعلن النفير العام ضد الفساد المحلي، محذرًا من أن زمن “الهبرة الجماعية” قد ولّى.
لكن، لحظة… ألم نسمع الجملة نفسها في عهد خمسة وزراء سابقين؟ فقط كانت تُقال بلهجة أكثر نعومة وابتسامة أكثر دبلوماسية!
تصريحات وزير الداخلية أمام نواب الأمة، بمناسبة مناقشة مشروع قانون المالية، فتحت شهية الرأي العام من جديد لمتابعة “مسلسل المساءلة الكبرى” الذي يُنتظر أن يطال مدبّري الشأن المحلي. مسلسل نعرف بدايته، لكننا عادة نغفو قبل أن نرى الحلقة الأخيرة.
صدمة الديمقراطية المتأخرة
الذين تابعوا خرجة الوزير، رأوا فيها نوعًا من “اليقظة بعد غيبوبة”، فالرجل اعترف ضمنيًا بأن الجماعات الترابية تحوّلت في كثير من المناطق إلى ضيعات خاصة، فيها رئيس الجماعة هو “المخزن الصغير”، يبيع ويشتري ويمنح الرخص ويمنعها، ويشغل أقاربه كما يشاء، وكأن شعار المرحلة هو: الجماعة لنا والصفقات لمن نحبّ!
ولذلك، فإن “أم الوزارات” قررت – على الورق على الأقل – وضع حد للسطو على الملك الجماعي ونهب المال العمومي عبر الصفقات وسندات الطلب. أما على الأرض، فما زال رؤساء جماعات ينامون قريري العين بعد كل صفقة “ناجحة” تمرّ تحت الطاولة.
الحقوقيون… بين الأمل والسخرية
النبرة الغاضبة للوزير جعلت بعض الفاعلين الحقوقيين يبتسمون ابتسامة من يعرف اللعبة جيدًا. فها هو رضوان دليل، الممثل القانوني للهيئة الوطنية لحماية المال العام، يذكّرنا بأن ما قاله الوزير ليس جديدًا، بل هو “مطلب عمره عشرون سنة على الأقل”، وأن المطلوب اليوم هو ألا يتحول التصريح إلى مجرد زينة إعلامية، بل إلى حملة حقيقية تقتلع جذور الفساد من الجماعات، لا أوراقه فقط.
والحق أن الحقوقيين تعبوا من إرسال المراسلات والعرائض والشكايات التي لا تخرج من الرفوف إلا لتنظيف الغبار عنها كل موسم انتخابي. وكأننا أمام مشهد كلاسيكي: هيئة تشتكي، وزارة تستقبل، ثم صمت طويل إلى أن يطلّ وزير جديد بخطاب جديد… بنفس الكلمات تقريبًا!
الباحثون أيضًا في الحلبة
أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالجديدة في تصريح صحفي، دخل هو الآخر على الخط، ليذكرنا أن الجماعات الترابية تملك استقلالًا ماليًا وإداريًا وبشريًا… لكنها لا تملك ضميرًا موحدًا.
فأملاك الجماعات تعرف تجاوزات لا تُعد ولا تُحصى، وتُعرقل التنمية الترابية كما تُعرقل الحصى في الحذاء السير في الطريق. والمفتشية العامة للإدارة الترابية والمجلس الأعلى للحسابات سجّلا ذلك أكثر من مرة، لكن يبدو أن التقارير هناك تُقرأ للزينة أكثر مما تُقرأ للتنفيذ.
ويبدو أن تحرّك وزارة الداخلية هذه المرة قد يكون “رسميًا” أكثر من المعتاد، خصوصًا أن نبرة الوزير بدت صارمة، فيها وعيد مبطّن، حين قال إن كل من أخذ أرضًا أو درهمًا من الجماعة بدون موجب قانوني سيُطالب بإرجاعه… يا سلام!
تُرى، كم رئيس جماعة مستعد فعلًا لإرجاع ما أخذ؟ وكم قطعة أرضٍ تحتاج الآن إلى “خريطة طريق” كي تُعاد من جديد إلى حضن الجماعة؟
أنواع الاختلالات… كأننا في سوق أسبوعي
الأستاذ المذكور لخص المشهد بدقة حين قال إن الاختلالات بالجماعات الترابية تأتي من ثلاث فئات:
-
المواطن الذي يعتقد أن أرض الجماعة “غنيمة مجانية”.
-
الموظف الجماعي الذي يحرس الملك الجماعي نهارًا… ويبيعه ليلًا.
-
المدبر المحلي الذي يعرف القانون جيدًا، لكنه يتعامل معه كأداة للتزيين.
وحين يجتمع الثلاثة، تُولد “الصفقة الذهبية”: المواطن يطمع، الموظف يسكت، والمدبر يوقّع.
والنتيجة؟ ضياع أملاك الجماعة كما تضيع المياه في الرمال، لا هي تسقي زرعًا ولا تُشبع عطشًا.
خاتمة بضحكة صفراء
الآن، بعد كل هذه “الخرجات” و”النبرات الحازمة”، يبقى السؤال الكبير: هل سنشهد فعلًا حملة تطهير حقيقية داخل الجماعات الترابية؟
أم أننا سنكتفي مجددًا بفرجة سياسية جديدة، نُصفق لها، ثم نعود لواقعنا حيث كل مسؤول صغير يعتقد أن الجماعة ملكية خاصة، وأن “الملك الجماعي” مجرد تعبير أدبي لا أكثر؟
في النهاية، لا بأس أن نحلم قليلًا… فحتى الأحلام، كما يقول المغاربة، “ما فيهاش الضريبة”.




