مجتمع

عندما يصبح اليوتيوبر مُتهَماً: كيف تُحاكم القوانين العربية والغربية صُنّاع المحتوى؟

ضربة قلم

في عالم الانفجار الرقمي، لم يعد الصحافي هو الوجه الوحيد الذي يروي الحكايات ويُبلّغ الأحداث. اليوم، صار عدد اليوتوبورز يفوق عدد الصحفيين في العالم بأضعاف، وصاروا هم الصوت الأكثر حضوراً وانتشاراً، لكن أيضاً الأكثر عرضة للزلات والسقوط. فبينما يشتغل الصحافي التقليدي تحت سقف من القوانين والمراقبة الذاتية، يكتب ويُحرّر وهو “يضرب ويقيس”، واضعاً في حسبانه أي متابعة قضائية محتملة، حريصاً حتى من نشر الخبر الصحيح، إن لم يمتلك وثيقة تثبته. بل إن بعضهم يلتجئ إلى أساليب لغوية تتحايل على المباشر والصريح، فقط ليضع قدميه في منطقة آمنة قانونياً.

أما اليوتوبورز، فقصّتهم مختلفة تماماً. يكفي أن ينفلت لسانهم في بث مباشر، أو يُصوّروا ما لا يجب تصويره، أو ينشروا خبراً زائفاً دون أدنى دليل، حتى يجدوا أنفسهم في مواجهة المتابعة القضائية بتهم القذف أو التشهير أو نشر معطيات كاذبة تمس الحياة الخاصة. عالم سريع، غير مضبوط، ولا يمنح صاحبه فرصةً لتصحيح المسار قبل أن يُعاد نشر “اللقطة” آلاف المرات.

في هذا السياق، قمنا بإجراء بحث موسّع للوقوف على طبيعة المسؤولية القانونية لليوتوبورز في عدد من مناطق العالم: من الولايات المتحدة وكندا، مروراً ببعض دول أمريكا اللاتينية وأوروبا، وصولاً إلى الدول العربية، لننتهي عند المغرب حيث تتقاطع النصوص القانونية مع واقعٍ رقميّ أصبح يسبق التشريع أحياناً بخطوات واسعة.

فيما يلي تحليل قانوني لكيفية تعامل الولايات المتحدة وكندا مع مسألة القذف / التشهير عبر الإنترنت، لا سيما من طرف اليوتيوبرز أو مؤثّرين رقميين.

أولًا: الولايات المتحدة الأمريكية

  1. الإطار الدستوري – حرية التعبير

    • في الولايات المتحدة، حرية التعبير مكفولة بموجب التعديل الأوّل من الدستور، وهذا يعطي “وسائل الإعلام” حماية قوية حتى في حالات القذف أو التشهير، خاصة عندما يكون المتضرّر “شخصية عامة” (public figure).

    • القضية الرائدة هي New York Times Co. v. Sullivan (1964)، حيث قرّرت المحكمة العليا الأمريكية، أنه لا يمكن تحميل وسيلة نشر (مثل صحيفة) تعويضًا مدنيًا لتهم تشهير من شخصية عامة ما لم يثبت “الشرّ الفعلي” (actual malice)، أي أن التصريح الزائف قيل “مع العلم بأنه زائف” أو “بتجاهل متهور للحقيقة”. Justia Law+2law.cornell.edu+2

    • هذا المعيار يصعّب كثيرًا على الشخصيات العامة الفوز بدعاوى تشهير ضد ناشرين إعلاميين أو مؤثرين دون التزام كبير بالدقة. Merriam-Webster+1

  2. القذف / التشهير في السياق الرقمي (مثل يوتيوب)

    • على الرغم من أن قضية Sullivan كانت تتعلق بصحيفة، المبدأ الآن يطبق على المحتوى الرقمي أيضًا: إن قال يوتيوبر شيئًا مُلحقًا بسمعة شخص، فيمكن للمدّعي أن يرفع دعوى تشهير مدنية، إذا توافرت عناصر القذف.

    • لكن هناك تعقيدات: الكثير من الولايات لها قوانين خاصة، وبعض الولايات لديها تشريعات “anti-SLAPP” (مقاضاة لمنع المشاركة العامة) لحماية الناشرين من دعاوى تهدف لإسكاتهم. Sternberg Law Firm

    • أيضًا، المنصات الرقمية (كـ YouTube) غالبًا تتمتع “بحصانة وسيط” (intermediary immunity) بموجب Section 230 من قانون الاتصالات (Communications Decency Act)، مما يعني أن المنصة قد لا تتحمّل المسؤولية المباشرة عن المحتوى الذي ينشره المستخدمون. Sternberg Law Firm

  3. إثبات الضرر

    • لكي تنجح دعوى تشهير في الولايات المتحدة، يحتاج المدّعي غالبًا لإثبات أنه كان هناك نشر (publication) لجهة ثالثة، أن المحتوى خاطئ، وأنه سبّب ضررًا للسمعة، وأخيرًا (إذا كان شخصًا عامًا) أنه قيل “بدافع الشرّ الفعلي” (actual malice).

    • كما أن بعض القضايا التاريخية المهمة تُظهر أن مجرد إهمال أو خطأ قد لا يكون كافياً إذا لم يكن هناك “شرّ فعلي” عند الناشر. Justia Law

ثانيا: كندا

القانون الكندي مختلف إلى حد كبير عن النظام الأمريكي:

  1. الإطار القانوني – المسؤولية الصارمة

    • في معظم المقاطعات الكندية (باستثناء كيبيك) هناك “أضرار التشهير” (defamation) كعطل مدني (tort). lexpert.ca+1

    • المدّعي الكندي لا يحتاج غالبًا لإثبات “actual malice” كما في الولايات المتحدة. بعض المصادر تقول إن هناك “مسؤولية صارمة” (strict liability): بمجرد أن يثبت المدّعي أن التصريح يشير إليه، نُشر، وذو طابع تشهيري، تتحول عبء الإثبات إلى المدّعى عليه لإثبات دفاع أو تبرير. Mondaq+1

    • في كندا، الخطأ (fault) ليس شرطًا من شروط إقامة الدعوى للتشهير وفق بعض التطبيقات القانونية: المدّعى يمكن أن يفوز حتى إذا لم يثبت أن الناشر كان ضارًّا بقصد، طالما أن الكذب قائم. lexpert.ca+1

  2. الأدوات القانونية / الدفاعات المتاحة

    • من أهم الدفاعات: الحق في الحقيقة (“justification” أو “truth”)، أي إذا الناشر يبرهن أن ما قاله صحيح، فهذا دفاع كامل. McMillan LLP+1

    • الدفاع بالرأي العادل (Fair Comment): إذا كان التعبير هو رأي وليس إدعاء بوقائع، وكان الموضوع محل اهتمام عام (public interest)، وكان الرأي مبني على حقائق وواقعات معقولة، ولم يكن بدافع خبيث، قد يُقبل دفاع الرأي. lexpert.ca

    • هناك أيضًا مبدأ “Responsible Communication” (الاتصال المسؤول): مقالات الصحافة أو ناشر محتوى، يمكن أن يدافع بأنهم نشروا القضية بعد بحث وجمع معلومات، حتى لو لم تكن كل التفاصيل مكتملة، بشرط أنهم تصرفوا بحذر مهني. Lopatka Law+1

    • بعض المقاطعات تملك قوانين anti-SLAPP (مقاضاة لمنع إسكات النقد): الهدف منها هو حماية الناشرين من دعاوى تقاضيهم، فقط لإسكاتهم أو تقييد حرية التعبير في قضايا ذات مصلحة عامة. McMillan LLP

  3. القذف عبر الإنترنت / المنصّات الرقمية

    • القوانين الكندية تطبّق التشهير أيضًا على المحتوى الرقمي: إذا نشر يوتيوبر محتوى تشهيري، يمكن رفع دعوى مدنية ضده. lexpert.ca

    • أما بالنسبة للمنصّات الوسيطة (مثل YouTube، أو مزودي خدمة الإنترنت)، فيمكن أن تنظر المحاكم إلى ما إذا كان لديهم “معرفة” بالمحتوى التشهيري، أو أنهم قدّموا المساعدة في النشر، لتحديد ما إذا كانت لهم مسؤولية كناشرين. lexpert.ca

    • هناك قضايا في كندا توضح أن المحاكم تمنح تعويضات كبيرة في حالات التشهير الرقمي، إذا ثبت وجود “دافع خبيث” (malice) من قبل الناشر. مثال: في كولومبيا البريطانية قُدّرت الأضرار بـ 230,000 دولار في قضية تشهير عبر الإنترنت. Mondaq

  4. التشريع الجنائي

    • في كندا، هناك أيضًا إمكانية جنائية: القانون الجنائي الكندي يجرّم “القذف التشهيري المكتوب” (“defamatory libel”) بموجب القسم 298 من القانون الجنائي. lexpert.ca

    • لكن التجميد الجنائي لمثل هذه القضايا نادر إلى حد ما، ومعظم القضايا تحل مدنيًا (تعويض). Wikipédia+1

ثالثًا: ما يعنيه هذا بالنسبة لليوتيوبرز

  • في الولايات المتحدة: يوتيوبر يهاجم شخصية عامة بمعلومة خاطئة بحاجة إلى أن يُثبت المدّعي “actual malice” في معظم الحالات، وهذا عقبة كبيرة جدًا لمن يريد مقاضاته.

  • في كندا: العكس تقريبًا، حيث المدّعي يمكن أن يكسب بسهولة أكبر، لأنه لا يحتاج في الكثير من الأحيان لإثبات نية خبيثة؛ بل يكفي أن يثبت أن القول نشر، خاطئ، وأضرّ بسمعته، ثم يقلب عبء الإثبات على الناشر، ليثبت الدفاع (مثل أن ما قاله صحيح أو رأي مدعوم).

  • من ناحية المنصات: يوتيوب كمنصة وساطة قد تكون محمية في أمريكا أكثر عبر Section 230، لكن في كندا ليست هناك حماية مماثلة تمامًا، خصوصًا إذا المنصة “عَلِمت” بالمحتوى التشهيري أو لم تتصرف بحذر بعد علمها.

ثانيًا: أمريكا اللاتينية، تشريعات مواجهة القذف والإهانات على الإنترنت

في أمريكا اللاتينية، هناك تنوع كبير في القوانين المتعلقة بـ التشهير / القذف / الإهانة («honor crimes») عبر الإنترنت، وقد تختلف من دولة لدولة. لكن فيما يلي أبرز أمثلة من بعض الدول المهمة (البرازيل، الأرجنتين، المكسيك) مع كيف يمكن أن تطال هذه القوانين اليوتوبورز.

1) البرازيل

  • في البرازيل، الجرائم ضد الشرف مثل calúnia (الافتراء / التهمة الكاذبة) وdifamação (التشهير) وinjúria (الإهانة) منصوص عليها في قانون العقوبات البرازيلي: المواد 138 و139 و140 من قانون العقوبات تحدد هذه الجرائم. Portal Contabeis+2olvadv.com.br+2

  • هناك استخدام لهذه الجرائم أيضًا في الفضاء الرقمي (الإنترنت): القوانين الجنائية تطبّق عند نشر افتراءات من خلال الشبكات الاجتماعية أو منصات الإنترنت. lucchesi.adv.br+2JURÍDICOBRASIL.com+2

  • علاوة على ذلك، المادة 141 من قانون العقوبات تنص على زيادة العقوبة إذا ارتُكبت هذه الجرائم «من خلال وسائل شبكات التواصل أو الانترنت» (زيادة تصل إلى ثلاثة أضعاف) عندما يكون هناك نشر واسع أو عدد كثير من المتابعين أو جمهور كبير. modeloinicial.com.br+2olvadv.com.br+2

  • في الجانب المدني (تعويض): الضحية يمكن أن يطالب بتعويض مالي عن الضرر الذي لحق بسمعته، بالإضافة للمسار الجنائي. Jus Brasil+1

  • أيضًا، في البرازيل هناك نزاع على تشديد العقوبات: بعض النواب اقترحوا مشاريع قوانين لزيادة العقوبة على من يرتكب جرائم شرف عبر وسائل التواصل. Reddit

  • أخيرًا، تنظيم المنصات (مثل يوتيوب) يخضع أيضًا لإطار Marco Civil da Internet (القانون المدني للإنترنت) الذي يعطي بعض الآليات للضحايا لطلب إزالة المحتوى المسيء أو التشهيري. JURÍDICOBRASIL.com

مغزى لليوتوبورز اللاتينيين: إذا نشر يوتيوبر برازيلي محتوى يتهم شخصًا بجرائم بدون دليل، يمكن أن يُعرض نفسه لدعوى جنائية بتهمة «calúnia» أو «difamação»، مع خطر غرامة أو سجن، خاصة في حالة انتشار المحتوى بشكل كبير. كما قد يستخدم الضحية أيضًا السّبيل المدني للمطالبة بالتعويض.

2) الأرجنتين

  • في الأرجنتين، هناك تعديلات مهمة في قانون العقوبات تتعلق بجرائم الشرف: بموجب قانون رقم 26.551 تم تغيير مواد القذف والإهانة. Natlex+2mpf.gob.ar+2

  • المادة 109 من قانون العقوبات الأرجنتيني (بعد التعديل) تنص على أن افتراض جريمة خاطئة (calumnia) يعاقب بغرامة مالية وليس بالسجن، إذا كان الاتهام كاذب. Natlex

  • العلاقة مع “الأمور ذات المصلحة العامة”: القانون الأرجنتيني ينص على استثناء، بمعنى أن التعبيرات التي تتعلق بشؤون عامة أو مصلحة عامة لا تشكل جريمة “calumnia” بالضرورة، إذا لم تكن “مؤكدة أو أَسِرْتيفية” (غير تأكيدية) أو إذا كانت مجرد رأي. argentina.gob.ar+1

  • أيضاً، هناك نص في القانون الأرجنتيني ينظم النشر / إعادة النشر: المادة 113 من قانون العقوبات: “من ينشر أو يُعيد نشر injurias أو calumnia لشخص آخر، يُعتبر كأنه هو المتهم” إذا لم ينسب المحتوى بشكل صحيح إلى المصدر الأصلي. leyes-ar.com+1

  • وميزة مهمة: التراجع العلني (retractación): في الأرجنتين، إذا المتهم تراجع علنيًا قبل بدء الدعوى أو عند تقديم الشكوى، قد يُعفى من العقوبة. argentina.gob.ar

  • ولكن في بعض الوثائق، يُلاحظ أن تطبيق هذه القوانين في الفضاء الرقمي (مواقع الإنترنت، فيديوهات) قد يكون محدودًا أو متباينًا، خصوصًا مع صعود وسائل التواصل التي لم تُعدّل كل القوانين لتتلاءم معها.

مغزى لليوتوبورز الأرجنتينيين: التهم التشهيرية يمكن أن تؤدي إلى غرامات بدلاً من السجن في كثير من الحالات، لكن إذا أعادوا نشر شائعات أو كلام شخص آخر دون مصدر، قد يُحكم عليهم مثل من ألّفها. إمكانية التراجع العلني تُعد “مخرجًا قانونيًا” مهمًا لتقليل المخاطر.

3) المكسيك

  • في المكسيك، هناك نصوص في القانون الجنائي الفيدرالي تتناول “injurias” و “difamación” خاصة ضمن الفصل “Delitos contra el Honor” (جرائم ضد الشرف). Justia+1

  • مثلاً، في قانون العقوبات المكسيكي (الفيدرالي) توجد فصول تقيّد التشهير، لكن بعض هذه المواد قديمة أو خضعت لتعديلات. Université de Fribourg

  • لكن هناك نقاش واسع حول استمرارية هذه الجرائم جنائيًا: بعض منظمات حقوق الإنسان مثل ARTICLE 19 تبيّن أن بعض قوانين التشهير في الولايات (المكسيك تسمى “estados”) تُستخدم كأدوات “SLAPP” (مقاضاة لمنع المشاركة العامة) لتكميم أصوات المستخدمين أو الصحفيين.  من Reddit: “uso del delito de difamación y calumnia debe ser último recurso …” Reddit+1

  • أيضًا، هناك حالة في “Nuevo León” (ولاية مكسيكية) حيث سبق أن حكمت محكمة بأن بعض هذه الجرائم (التشهير/القذف) غير دستورية، لكونها تقيّد حرية التعبير. Reddit

  • في بعض الولايات، توجد قوانين محلية تُشدد العقوبة أو تُدرج جرائم جديدة مثل “violencia digital” (عنف رقمي)، وتشمل نشر فيديوهات أو صور بقصد تشهير أو إذلال. هذا يجعل من الممكن أن يوتيوبر يُلاحَق جنائيًا، إذا نشر محتوى يسيء أو يُعرض خصوصية الأفراد. ‏ مثال من Sinaloa كما ورد في النقاش البرلماني / حقوقي. Reddit

  • من جهة المبادئ الحقوقية، هناك ضغوط لإلغاء الجرائم الجنائية للتشهير في المكسيك واستبدالها بدعاوى مدنية وتعويضات فقط، خاصة من منظمات حرية التعبير. (موقف ARTICLE 19 موجود في بعض الولايات). Reddit

مغزى لليوتوبورز المكسيكيين: يمكن أن يكونوا عرضة لدعاوى جنائية محلية في بعض الولايات، إذا نشروا محتوى تشهيري أو اتهامات خطيرة. لكن هناك اتجاه حقوقي كبير نحو تقييد استخدام القانون الجنائي ضد التشهير لحماية حرية التعبير الرقمي، خاصة من منظمات مجتمع مدني.

خلاصة “أمريكا اللاتينية”

  • في معظم الدول اللاتينية، لا يزال هناك إطار قانوني يجرّم التشهير الرقمي (القذف / الإهانة) عبر الإنترنت، مما يعني أن اليوتوبورز ليسوا فوق القانون، يمكن متابعتهم قضائيًا إذا نشروا ادعاءات كاذبة أو محتوى مسيء.

  • هناك اختلاف كبير بين الدول: بعضها تفرض غرامات فقط (كالأرجنتين)، وبعضها لديها تشديدات جنائية أو زيادات للعقوبة، في حال النشر عبر الإنترنت (البرازيل)، وبعض الولايات في دول مثل المكسيك تُستخدم فيها قوانين التشهير كأدوات ضغط سياسي أو رقمي.

  • أيضاً، تتجلى توصيات حقوقية واضحة: منظمات مثل ARTICLE 19 تطالب بحذف تجريم التشهير الجنائي لصالح آليات مدنية فقط، لأن التشريع الجنائي، قد يضر بحرية التعبير الرقمي، خصوصًا عند صناع محتوى مثل اليوتوبورز.

ثالثًا: أوروبا، قوانين التشهير والقذف في الفضاء الرقمي (صناع المحتوى)

في أوروبا، طبيعة التشهير الرقمي (diffamation) تتنوع جدًا من بلد إلى بلد، لكن توجد بعض النقاط المشتركة والتحديات التي تهم مؤثّري اليوتيوب بشكل كبير:

  1. مبدأ التوازن بين حرية التعبير والسمعة

    • في كثير من الأنظمة الأوروبية، يُعتبر التشهير جريمة جنائية أو مدنية (أو كلاهما) لأن الشرف والكرامة محميّان بقوة قانونية. لكن القضاء يوازن بين حق التعبير وصون سمعة الآخرين.

    • مثلًا، في ألمانيا يُنظر إلى القذف/الإهانة وفقًا لقانون العقوبات (§ 185 – § 187 StGB) مع تمييز بين “إهانة” (insult)، “تشويه السمعة غير المثبتة” (üble Nachrede)، و«التشهير المتعمَّد» (Verleumdung). Conseil de l’Europe+2Anwalt+2

    • في هذه القوانين، الأدلة مهمة: إذا نشر شخص ادعاءات غير ثابتة، قد يقع تحت طائلة التشهير، خصوصًا إن تبين أن الناشر يعلم أنها غير صحيحة أو تجاهل ذلك. Conseil de l’Europe

  2. ألمانيا كمثال مركزي

    • كما قلنا، المواد:

      • § 185 StGB: إهانة (Beleidigung)، يمكن أن تكون عقوبتها غرامة أو حتى سجن يصل إلى سنة، وإذا الأمر تم علنيًا أو من خلال نشر، قد تصل العقوبة إلى سنتين. MPP Rechtsanwälte

      • § 186 StGB: “üble Nachrede” — نشر أو الادعاء بوقائع قد تضر بسمعة شخص، حتى لو لم يُثبت صحتها بعد، يعاقَب بغرامة أو سجن (حسب ظروف). OSCE+1

      • § 187 StGB: “Verleumdung” — نشر وقائع يعلم الناشر أنها غير صحيحة، أو لديه شك كبير في صحتها،  يعاقب أشد عقوبة (قد تصل حد السجن لسنوات، إذا تم علنيًا). OSCE

    • دفوعات ممكنة: من يواجه دعوى تشهير لديه الحق في إثبات “أن ما قاله صحيح” (دفاع الحقيقة)، وأحيانًا يكون الأمر دفاعًا “عذر مهني” إذا الناشر تحقّق قبل النشر بقليل من الإهمال. Conseil de l’Europe+1

    • هناك أيضًا عنصر “المسؤولية الرقمية”: في ألمانيا، يوجد قانون خاص (NetzDG) يُلزم منصّات التواصل بإزالة محتوى “غير قانوني بوضوح” خلال فترات قصيرة (24 ساعة لبعض المحتوى) بخطورة كبيرة، وإلا تُفرض عليها غرامات ضخمة. Wikipédia+1

    • بالتالي، إذا يوتيوبر ألماني نشر ادعاء تشهيري، الضحية يمكنه تحريك شكوى جنائية أو مدنية، وقد يلجأ إلى المنصة نفسها لطلب إزالة المحتوى بموجب NetzDG إذا كان المحتوى “غير قانوني”.

  3. فرنسا وموقف التشهير

    • في فرنسا، التشهير (diffamation) يُعد من الجرائم الممكن متابعتها قضائيًا. وفقًا لتحليل محامين فرنسيين، إذا ما نُشرت اتهامات زائفة في “مكان عام” مثل الإنترنت، يمكن أن تكون هناك عقوبة وغرامة كبيرة. Cabinet Bouchara & Avocats

    • هناك دفاعات مهمة: مثل “الحق في المصلحة العامة” (l’intérêt public)، إذا كان الموضوع الذي تحدث عنه اليوتيوبر يهم الصالح العام، وكان لديه أساس واقعي أو دليل، ذلك قد يُخفف من العقوبة أو يلغي المتابعة.

    • أيضًا، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR) أثرت في قضايا التشهير الفرنسي: في قضية Lacroix ضد فرنسا، رأت أن بعض التصريحات يمكن أن تُعفى من الدعوى، لأنها تدخل ضمن مناقشة مصلحة عامة، إن هناك أساس واقعي. Le Monde.fr

    • من جهة التشريع الرقمي: هناك قانون Avia (تم اقتراحه لفرض التزامات على المنصات لإزالة المحتوى التحريضي أو الكاره بسرعة)، لكن جزء من هذا القانون لقي انتقادات كبيرة من لدن حقوقيين، لأنه قد يحدّ من حرية التعبير، وخصوصًا إن تصرفت المنصات،كقضاة محتوى بدون مراقبة قضائية كافية. Wikipédia

  4. دول أوروبية أخرى

    • في هولندا مثلاً، التشهير مازال موجود قانونياً، لكن العقوبات الجنائية تختلف من بلد لآخر، وبعض الدول الأوروبيّة تراجعت عن التجريم الجنائي للتشهير لصالح دعاوى مدنية فقط. (مثال عام من وثائق حقوقية). Conseil de l’Europe

    • التحدي الرقمي: مع منصّات عالمية مثل يوتيوب، الكثير من الدول الأوروبية تحاول الربط بين التشهير التقليدي والقذف الذي يتم عبر المنصّات الرقمية. لكن التنفيذ يكون صعبًا: تحديد الولاية القضائية، إثبات المحتوى المسيء، وتحميل المنصّة مسؤولية، كلها قضايا تقنية وقانونية معقدة.

  5. تحديات لصناع المحتوى (يوتيوبرز)

    • يوتيوبر في أوروبا يجب أن يكون واعيًا بأن النقد أو الادعاءات غير المدعومة قد تؤدي لمتابعة جنائية أو مدنية، خاصة في دول مثل ألمانيا وفرنسا.

    • عليه حفظ المصادر والدلائل جيدًا إذا تحدث عن حقائق قد تكون مثيرة للجدل، لأنه وإن جرجر الضحية للقضاء، الأدلة ستكون مهمة جدًا (لكنه ليس مضمونًا أن “الرأي الحر” يقي من التشهير، إن تم نسب وقائع خاطئة).

    • أيضًا، يجب الانتباه إلى المنصّات: في ألمانيا مثلًا، NetzDG يضع ضغطًا على المنصّات لحذف المحتوى، ما قد يجعل بعض الفيديوهات تُزال بسرعة في حال اتهام بالتشهير. هذا يمكن أن يكون سلاحًا للضحايا، لكنه قد يثير نقاشًا حول الرقابة الزائدة، إذا تُستخدم بطريقة تعسفية.

خلاصة النقاط الأوروبية

  • في أوروبا، التشهير الرقمي ليس خارج نطاق القانون: توجد تشريعات صريحة في بعض الدول التي تفرض مسؤولية على ناشري المحتوى (بما في ذلك يوتوبورز) إذا نسبوا وقائع غير صحيحة أو أهانوا أشخاصًا بطريقة مسيئة جدًا.

  • بعض الدول (مثل ألمانيا) تجمع بين القانون الجنائي والقانون المدني لمعاقبة التشهير، وهناك قوانين خاصة للمنصّات الرقمية (مثل NetzDG) لفرض إزالة المحتوى غير القانوني.

  • في فرنسا، الدفاع عن حرية التعبير قوي، خاصة عندما تكون الادعاءات من باب المصلحة العامة، لكن يجب تأمين أساس واقعي، لتجنب المتابعة القضائية.

  • التحدي الحقيقي يكمن في “من يقرر ما غير القانوني”؟ المنصّات أم القضاء؟ وهل يمكن أن تستخدم قوانين التشهير، كأداة إسكات ضد صناع المحتوى؟

  • لليوتوبورز: المعرفة بالقانون المحلي مهمة جدًا، لأن مجرد زلة لسان أو رسم ادعاء غير مؤكد، يمكن أن تترتب عليه تداعيات قانونية جدية في بعض الدول الأوروبية.

رابعًا: الدول العربية، التشهير الرقمي ومسؤولية صناع المحتوى

1) الإطار العام في الدول العربية

  • في معظم الدول العربية، القوانين المتعلقة بالقذف، التشهير، ونشر الأخبار الزائفة موجودة في القوانين الجنائية أو المدنية، وغالبًا تشمل:

    • القذف العلني أو الخاص.

    • نشر أخبار زائفة تمس شرف أو سمعة الأفراد.

    • الإساءة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الإنترنت.

  • التشريع العربي عادة يمزج بين العقوبات الجنائية (غرامة أو سجن) والدعاوى المدنية للتعويض، خصوصًا إذا ارتُكبت أفعال التشهير علنًا أو عبر الوسائل الرقمية.

  • الاتجاه العام في المنطقة اليوم: مع صعود وسائل التواصل، أصبحت هناك تعديلات تشريعية لمعالجة نشر الأخبار الكاذبة على الإنترنت، خصوصًا من طرف يوتوبورز أو مؤثرين رقميين، لتتوافق مع حماية سمعة الأفراد والحفاظ على النظام العام.

2) بعض الأمثلة من الدول العربية

مصر

  • القانون: المادة 178 من قانون العقوبات المصري تعاقب على القذف العلني، ويفسر القذف ليشمل التشهير بالآخرين بالقول أو الكتابة. (manshurat.org.eg)

  • التطبيق الرقمي: مع ظهور الإنترنت، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تشمل أيضًا هذه المواد. أي منشور على يوتيوب أو فيسبوك أو تويتر يمكن أن يكون سببًا لملاحقة جنائية أو مدنية، إذا ثبت أنه قذف أو شتم شخصًا علنًا.

  • أمثلة: في السنوات الأخيرة، تم توقيف بعض المؤثرين لإدلائهم بتصريحات مسيئة أو نشر أخبار كاذبة عن شخصيات عامة.

الإمارات العربية المتحدة

  • القوانين: هناك قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية (2012)، بالإضافة إلى تعديلات لاحقة، ينص على أن:

    • نشر أخبار كاذبة أو تشهير بالآخرين عبر الإنترنت جريمة جنائية.

    • العقوبات قد تشمل الغرامة والسجن، حتى إذا كان المحتوى منشورًا على قناة يوتيوب صغيرة أو شخصية عامة.

  • الخصوصية الرقمية: الإمارات تعطي حماية قوية للسمعة الشخصية، ويُنظر إلى أي إساءة عبر الإنترنت بعين الجدية، خصوصًا إذا تضررت سمعة الأفراد أو الشركات. (u.ae)

السعودية

  • القانون: المادة 147 من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية تعاقب على:

    • التشهير أو نشر معلومات كاذبة تمس الآخرين.

    • نشر صور أو فيديوهات مسيئة.

  • المسار القضائي: العقوبة قد تصل للسجن أو الغرامة المالية، كما يُمكن للمتضرر رفع دعوى مدنية للتعويض عن الضرر الواقعي.

  • المحتوى الرقمي: أي قناة يوتيوب أو حساب على وسائل التواصل الاجتماعي يخضع لهذه القوانين، ما يجعل الرقابة الذاتية لدى اليوتوبورز أساسية.

3) المغرب

  • الإطار القانوني: المغرب يحمي الشرف والسمعة في:

    • قانون العقوبات المغربي (القسم المتعلق بالجرائم ضد الأشخاص: المواد 444-447، 448-450)، تعاقب القذف، الإهانة، والتشهير سواء كانت علنية أو عبر وسائل الإعلام.

    • قانون الصحافة والنشر (قوانين 2002/2016)، يشمل وسائل الإعلام الإلكترونية بما فيها المنصات الرقمية، ويضع مسؤولية على النشر الزائف.

    • المسؤولية الرقمية: يوتوبورز يمكن أن يُتابعوا جنائيًا أو مدنيًا إذا نشروا ادعاءات زائفة أو قذفوا شخصًا.

  • الممارسة: هناك حالات معلنة تم فيها متابعة بعض مؤثري يوتيوب بسبب:

    • نشر أخبار كاذبة عن شخصيات عامة أو خاصة.

    • بث فيديوهات تحتوي على إساءة مباشرة أو تصوير محظور.

  • خلاصة القوانين المغربية: مثل باقي الدول العربية، يجمع التشريع بين العقوبة الجنائية للجرائم ضد السمعة، والدعاوى المدنية لتعويض الضرر، مع مراعاة الرقابة على الإنترنت ووسائل التواصل.

خامسًا: الخلاصة والتحليل العام

  1. الاتجاه العالمي: سواء في أمريكا، أوروبا، أمريكا اللاتينية أو الدول العربية، يوجد قانون ينظم القذف والتشهير، مع اختلاف العقوبات والطريقة:

    • الولايات المتحدة: حماية قوية لحرية التعبير، خصوصًا مع الشخصيات العامة (actual malice).

    • كندا: المسؤولية أكثر صرامة، المدعي غالبًا له اليد العليا، إلا إذا الناشر يثبت الحقيقة أو الرأي العادل.

    • أوروبا: مزيج بين حماية السمعة والعقوبات المدنية والجنائية، مع قوانين للمنصات الرقمية مثل NetzDG في ألمانيا.

    • أمريكا اللاتينية: بعض الدول تمنح عقوبة جنائية و/أو مدنية، بعضها يشدد على الجرائم عبر الإنترنت.

    • الدول العربية والمغرب: جمع بين العقوبات الجنائية والمدنية، مع تطبيق متزايد على الفضاء الرقمي ووسائل التواصل.

  2. الدروس لليوتوبورز / صناع المحتوى:

    • كل دولة لها خصوصياتها القانونية، لذلك يجب الانتباه قبل نشر أي محتوى قد يسيء لشخص أو ينقل أخبارًا غير مثبتة.

    • المنصات الرقمية ليست دائمًا محمية بالكامل: في بعض الدول (ألمانيا، البرازيل، المغرب) يمكن إجبار المنصّة على إزالة المحتوى.

    • الأدلة، المصادر، والتحقق من صحة المحتوى أمر أساسي لتجنب المساءلة القانونية.

  3. اتجاه مستقبلي:

    • صعود الإنترنت جعل التشهير الرقمي قضية عالمية.

    • هناك جهود متزايدة لوضع قوانين تحمي الأفراد من الإساءات الرقمية مع محاولة عدم التضييق على حرية التعبير.

    • اليوتوبورز أصبحوا جزءًا من هذا التحدي، حيث عليهم التوازن بين محتوى جذاب وحرية التعبير وبين الالتزام بالقوانين المحلية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.