عندما ينخفض سعر زيت الزيتون… يرتفع مهرّبوه وغشّاشوه

ضربة قلم
يبدو أن موسم الزيتون هذه السنة جاء بمفاجآت أكثر من العادة. بعد موجة غلاء أنهكت الأسر المغربية، تراجع سعر زيت الزيتون فجأة عن غيّه وتواضع أمام الجيوب المرهقة. البعض فرح وهو يظن أن “بركة الموسم” عادت، لكن وراء هذا الانخفاض أسباب اقتصادية معقدة لا علاقة لها بالبركة، بل بالعرض والطلب، والمخزون، ومكر الأسواق.
لماذا انخفض السعر؟
ببساطة، لأن العرض ارتفع بشكل غير متوقع. الأمطار المتأخرة والمعتدلة في بعض المناطق أنعشت الإنتاج، والمعاصر عادت للعمل بكامل طاقتها، في حين تراجع الطلب الخارجي بسبب ارتفاع كلفة النقل وتقلّب الأسعار العالمية. أضف إلى ذلك أن بعض المضاربين الذين احتكروا الزيت في العام الماضي، وجدوا أنفسهم أمام مخزون فائض يخشون تلفه، فبدأوا يفرّغونه بأسعار منخفضة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لكن، كما في كل قصة مغربية جميلة، لا يكتمل الفرح. فما إن ينخفض السعر حتى تُطلّ فئة من التجار “الماهرين” في الصيد في المياه العكرة، لتستغل اللحظة بطريقتها الخاصة: الغش.
الغشّ الجديد: حين يُصبّ الزيت ويختلط الماء
في الأسواق، وخصوصاً في بعض المناطق القروية أو على قارعة الطريق، صار من المعتاد أن تجد قارورات زيت زيتون “تغري بالنظرة الأولى”، لونها أخضر داكن، ورائحتها تعبق بالطبيعة. لكن الحقيقة في كثير من الأحيان مرة كالزيت القديم.
طرق الغشّ تتنوع بين:
-
خلط زيت الزيتون بزيوت نباتية رخيصة مثل الذرة أو دوار الشمس.
-
إضافة أصباغ أو نكهات طبيعية حتى يبدو الزيت «طازجاً».
-
خلط كميات من الزيت القديم بزيت الموسم الجديد.
-
تزوير الملصقات وادعاء أن الزيت «عصري» أو «من معصرة جبلية» أو “أطلسية”.
والأدهى أن بعض الباعة الجائلين صاروا يقدّمون هذه الزيوت بثقة عجيبة، مدّعين أن “الزيت الحرّ لا يحتاج شهادة”، بينما هو في الواقع يحتاج شهادة طبية أكثر مما يحتاج دعاية فلكلورية.
النتيجة: المستهلك آخر من يعلم
المواطن البسيط، الذي ظن أن الأسعار أخيرًا رحِمته، يجد نفسه أمام مفارقة: إمّا أن يشتري زيتاً “رخيصاً مشبوهاً” أو “غاليًا مضمونًا” لا يقوى على ثمنه.
وبين الخيارين، يربح الغشاشون مرتين، مرة من جيوب الناس، ومرة من ضعف الرقابة.
أما الضحية الكبرى فهي السمعة المغربية لزيت الزيتون، ذلك الذهب الأخضر الذي كان مفخرة للقرى المغربية، قبل أن يُدنّسه طمع التجار.
حين يغيب الضمير… تُخلط البركة بالماء
الخطير في هذا النوع من الغش أنه لا يقتصر على المسّ بالذوق أو الجودة، بل يمسّ الصحة العامة أيضاً. الزيوت المكررة أو الفاسدة تحتوي على مواد مؤكسدة قد تضر بالكبد والجهاز الهضمي. ومع غياب رقابة صارمة على المعاصر الصغيرة، تتسع رقعة الفوضى.
ورغم أن وزارة الفلاحة تبذل جهودًا خجولة لتحسين مسالك التسويق، إلا أن الرقابة الميدانية تبقى الحلقة الأضعف. بعض الأسواق الأسبوعية تُباع فيها زيوت في قنينات بلا هوية، لا تحمل تاريخاً ولا مصدر إنتاج، وكأننا نشتري “زيتاً مجهول النسب”.
ما العمل؟
المطلوب ليس فقط التشديد على المراقبة، بل إعادة تنظيم السوق من الجذور:
-
دعم التعاونيات المنتجة النزيهة وإعفاؤها من تعقيدات التسويق.
-
فرض تتبّع رقمي للمنتوج عبر رموز تعريفية QR تضمن معرفة المصدر.
-
تكثيف الحملات التوعوية ليعرف المستهلك كيف يميز الزيت السليم من المزيف.
-
تشجيع البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك دون وسطاء.
خلاصة القول
انخفاض السعر لم يكن انتصاراً للفلاح ولا للمستهلك، بل اختباراً للأمانة.
وحين يفشل البعض في هذا الاختبار، تتحول “بركة الزيت” إلى “لعنة السوق”.
في المغرب، لا نحتاج فقط إلى معاصر حديثة، بل إلى ضمائر حديثة أيضاً، لأن الغش، مهما طال زمنه، لا يُبارَك… والزيت المغشوش، مهما لمع لونه، لا يضيء.




