عندما يُصبح التفوق جريمة يعاقب عليها الأصدقاء

ضربة قلم
في وقت أصبحت فيه الرداءة قاعدة والتميّز استثناء، يكفي أن تتفوق على بعض أصدقائك -لا كثيرًا، فقط قليلًا – حتى يتحولوا من رفاق الأمس إلى لجنة مراقبة خاصة، تتابع أخبارك، وتحصي أنفاسك، وتفسّر نجاحك على أنه “حظ”، أو “نفاق”، أو “صدفة غير أخلاقية”!
تغيّرت المجتمعات، نعم، لكن قانون “لا تتفوّق علينا” ظل ثابتًا.
في بعض الأوساط، إذا كنت أكثر ثقافة، فأنت “متفلسف”.
وإن كنت أكثر أناقة، فأنت “مغرور”.
وإن تحدثت بثقة، فأنت “متعجرف”.
أما إن حافظت على صمتك، فستُتهم بأنك “تحسّب نفسك علينا”.
إنها دائرة مغلقة من الحقد الاجتماعي، يشارك فيها الجميع عن طيب خاطر.
القصة تبدأ غالبًا من لحظة بسيطة: تتحدث في مجلس ما، فتقدّم معلومة صحيحة، فينكمش أحدهم في مكانه كمن تلقى صفعة.
تضحك بثقة، فيبدأون بتحليل “طريقة ضحكتك”، كأنك تهدد الأمن القومي!
تشتري قميصًا جديدًا، فيتحول الأمر إلى اجتماع طارئ لمجلس النميمة الأعلى.
ينتهي الأمر بجملة خالدة يقولها أحدهم في غيابك:
“راه تبدّل علينا”.
وكأن التغيير جريمة، وكأن البقاء في مكانك واجب وطني.
في الحقيقة، المشكلة ليست فيك.
المشكلة في عقول ترى تفوق الآخرين كإهانة شخصية.
فالعقول الصغيرة لا تحتمل أن ترى أحدًا يلمع بجانبها، لأنها تربّت على ثقافة المقارنة لا الإلهام.
لهذا، حين تشرق شمسك، يختارون أن يغلقوا الستائر بدل أن يفتحوا نوافذهم.
الغريب أن هؤلاء لا يعترفون أبدًا بحسدهم، بل يلبسونه ثوب النُصح:
“راه خاصو يتواضع”،
“راه بدا يتكبر”،
“راه ما بقاش بحال الأول”.
كلمات تُقال بنغمة الواعظين، لكنّها في الحقيقة سهام غيرة مصقولة جيدًا.
إنهم لا يغتابونك لأنك سيئ، بل لأنك ذكّرتهم بما فشلوا فيه.
ثم هناك صنف آخر أكثر خطورة:
الذي يحملك فوق رأسه في حضورك، ويذبحك بلسانه في غيابك.
ذلك الذي يبدأ كلامه بـ“صاحبي والله العظيم كنبغيه”، ثم ينهي الجلسة بـ“ولكن صراحة، ما بقاش كيف كان”.
إنهم لا يحتملون أن تكون نجمًا في فيلم حياتك، لأنهم يريدون أن يظلوا المخرجين الوحيدين.
الطريف في الأمر أن الحكماء، كما قلت، يعرفون الحقيقة.
يعرفون أنك لا تتفوق عليهم بدافع الغرور، بل لأنك تعمل بصمت، وتقرأ أكثر، وتحترم نفسك.
هم فقط لا يريدون الاعتراف، لأن الاعتراف يعني مواجهة أنفسهم، وهذه رياضة فكرية لا يجيدها إلا القليلون.
في مجتمعات كثيرة، يُكافأ التفوق بالتقدير.
أما عندنا، فيُكافأ بالاتهام.
يُعامل الناجح كما يُعامل المتهم، ويُستدعى للمساءلة:
“منين جاك هاد الحظ؟
شكون ساعدك؟
واش كتعرف شي ناس؟”
وكأن الذكاء يحتاج إلى وساطة.
الأدهى أن الغيبة والنميمة تحولت إلى “حق اجتماعي مكتسب”.
يجلسون في المقاهي، لا لاحتساء القهوة، بل لاحتساء سمّ الكلام، يلوكون أسماء الناس كما تُلوك العلكة، ويفتون في نياتهم دون دليل.
هم لا يعرفون أنك في تلك اللحظة منشغل بالعمل أو القراءة أو ببناء حلمك القادم، بينما هم مشغولون بك أنت، لأنك ببساطة تذكّرهم بأنهم لم يصبحوا شيئًا بعد.
لكن، لا شيء يُربك الحاسد أكثر من استمرارك في الصعود بصمت.
الصمت بالنسبة له فضيحة كبرى، لأنه ينتظر ردّك، يتمنى سقوطك، ويترقب فشلك كمن ينتظر العيد، وحين لا يحدث شيء، يشعر أن حياته كلها بلا معنى.
ولذلك، أفضل انتقامٍ من الحاقدين هو أن “تنجح أكثر”، حتى لو سمّوه “نجوحًا” من شدّة الغيظ!
إن التفوق ليس خطيئة، بل هو امتحان أخلاقي لمن حولك: هل يفرحون لك، أم يتحسسون خناجرهم؟
والعجيب أن أكثر من يغتابك هم أول من سيقول: “كنت عارفو غادي ينجح”، إذا بلغت ما لم يبلغوه.
في النهاية، تذكّر:
حين تتفوّق، لا تتوقع التصفيق، بل استعد للعزف المنفرد وسط جوقة من الضجيج.
أما أولئك الذين يغتابونك، فاتركهم ليتسلّوا، فكل ما يفعلونه هو تأكيد أنهم خلفك، وإلا لما رأوا ظلك أصلًا.




