عودة إلى صدمة مولاي رشيد: انتحار أستاذ شاب يعرّي قسوة الإدارة وبؤس المنظومة

ضربة قلم
في وقت لم تعد فيه القلوب تتحمل المفاجآت الثقيلة، وفي لحظة خرس فيها الكلام وتوقف الزمن عن التنفس، استيقظ الرأي العام المغربي على وقع خبر صادم، كُتب بالدم والخذلان في دفتر قطاع التعليم، إذ أقدم – كما دكرنا اليوم- أستاذ شاب، حديث العهد بمهنة التربية والتعليم، على إنهاء حياته في واقعة أليمة وقاسية تجاوزت حدود الفهم، وتركت خلفها ذهولاً جماعياً، وأسئلة عالقة تُطرح بمرارة ولا تجد جواباً شافياً. لم يكن الأمر مجرد حدث عابر، بل جرح مفتوح في جسد المنظومة التربوية، وصرخة ألم من قلب صامت، لم يجد من يُنصت إليه.
الفقيد معاذ بلحمرة، الذي اختار طريق التعليم وهو في ريعان شبابه، لم يكن موظفاً عادياً، بل كان كما وصفه زملاؤه ومحبوه، شاباً خلوقاً، هادئ الطباع، ملتزماً ومحباً لما يقوم به، يسعى بجد واجتهاد لأداء رسالته التربوية بكل تفانٍ، تنقل بين عدد من المؤسسات التعليمية بمديرية مولاي رشيد، تاركاً انطباعاً إيجابياً أينما حلّ وارتحل. لا شكاوى ضده، لا سوء سلوك، فقط أستاذ يحاول أن يزرع في تلامذته شيئاً من الأمل، وأن يثبت لنفسه أنه جدير بحمل لقب “معلم”.
لكن في زمن الحسابات الإدارية الباردة، وفي أجواء يندر فيها الإنصات ويغيب فيها الاحتضان، يتهاوى حتى الأقوياء تحت وطأة الصدمات النفسية غير المتوقعة. جاء قرار التوقيف المؤقت كضربة قاصمة، صاعقة، وهو في طريقه لتوقيع محضر الخروج، ليجد نفسه فجأة خارج الخدمة، بلا سابق إنذار، بلا تفسير إنساني، فقط بلاغ إداري جاف يستند إلى شكاية قيل إنها تتهمه بممارسة العنف ضد تلميذ، دون أن تمنح فرصة للدفاع عن نفسه، أو حتى لتوضيح الموقف. وبين ثقل المفاجأة، وهول الإجراء، لم يجد هذا الشاب الحالم مخرجاً إلا بالانسحاب النهائي من الحياة، انسحاب لا يليق لا به، ولا بمن اختاروا أن يتجاهلوا هشاشة النفوس أمام قسوة القرارات.
المفارقة الموجعة أن بلاغ المديرية الإقليمية، ومن أجل إضفاف ضبابية على التوقيف الاحترازي، حاول أن ينفي ما راج حول توقيف الأجر، مؤكداً أنه توصل براتبه الشهري بشكل عادي، وكأن المشكلة كانت مادية، وكأن المرتب كفيل بمحو الشعور بالظلم أو الإجابة عن سؤال: لماذا حُرمت من توقيع المحضر؟ لماذا الآن؟ لماذا بهذه الطريقة؟ لم يكن الأستاذ الراحل في حاجة إلى راتب، بل إلى شيء من الإنصاف، إلى كلمة ترفع عنه الحرج، إلى صوت يقول له “لسنا ضدك”، لا أن يُلقى في هوة الشك والاتهام والإقصاء دفعة واحدة.
تداعيات الحادثة لم تتوقف عند حدود مواقع التواصل الاجتماعي أو بيانات التعزية، بل دخلت قبة البرلمان، حيث وجهت النائبة نجوى ككوس سؤالاً مباشراً إلى وزير التربية الوطنية حول ملابسات الحادث المؤلم، متسائلة عن أسباب منعه من توقيع محضر الخروج، وهل تم احترام الإجراءات القانونية والإنسانية في التعامل مع قضيته؟ كما شددت على أن ما حدث يسلط الضوء من جديد على واقع الضغوط النفسية الهائلة التي يعيشها أساتذة اليوم، في ظل منظومة لا توفر الحد الأدنى من الحماية القانونية ولا من الدعم النفسي، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام الشكايات الكيدية التي تتحول إلى سيوف موجهة إلى رقاب رجال ونساء التعليم.
ولم تكن النائبة وحدها من دق ناقوس الخطر، إذ أصدر فرع المنظمة المغربية للعدالة وحقوق الإنسان بعين السبع – الحي المحمدي بياناً نارياً أدان فيه ما وصفه بالتسرع المجحف في التعاطي مع الشكايات غير المؤكدة، والتي قد تكون مدفوعة بأغراض شخصية أو انتقامية. اعتبر البيان أن الأستاذ لم ينتحر، بل دُفع إلى الانتحار، نتيجة سلسلة من الضغوط، أبرزها التوقيف المفاجئ وغياب الدعم والمؤازرة، داعياً إلى فتح تحقيق نزيه ومسؤول، وتحديد الجهات التي ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في الوصول إلى هذه النهاية التراجيدية.
إن ما وقع ليس مجرد مأساة شخصية، بل عنوان صادم لحالة عامة تعاني منها المدرسة المغربية، حيث تتزايد الفجوة بين المعلم والتلميذ، وبين الأستاذ والإدارة، وتضيق مساحات الحوار، وتُختزل الكرامة في ملفات وأوراق وبلاغات، بينما يُترك الإنسان الحقيقي خلف المكاتب، يعاني بصمت، حتى إذا ما انفجرت أزمته، تبارى الجميع في إصدار بيانات النفي والتعزية.
ولعل الأجدر الآن، في خضم هذا الحزن الجماعي، ليس فقط البكاء على روح الأستاذ الراحل، بل الوقوف وقفة مراجعة حقيقية لواقع منظومتنا التعليمية، بمؤسساتها وآلياتها ومواردها البشرية. مراجعة تعيد للمعلم مكانته، لا باعتباره عنصراً إدارياً، بل كائناً بشرياً يعلّم ويُعلّم، يشعر ويتألم، يحتاج كما يحتاج التلاميذ إلى حماية ودعم وإنصات. فالذي انطفأ كان شعلة، لكن ما زال في الأفق الكثير من الشُعل المهددة بالانطفاء، إن لم نتحرك اليوم قبل الغد.
رحم الله معاذ بلحمرة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه وزملاءه وتلامذته الصبر والسلوان. وليكن رحيله المؤلم منبهاً لا يُغفل، يُحرك الضمائر قبل أن تقع مأساة أخرى.




