الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

عودة إلى ظلي

عبد الإله بوسيف

رسائل من ألمانيا.. تُكتب من هناك وتصل إلى هنا

عدتُ… بعد أن تعلّمتُ كيف يصبح الوقت وطناً مؤقتاً، وكيف يمكن للإنسان، أن يسكن المدن دون أن تسكنه.

عدتُ بعد أن جرّبتُ أن أزرع قلبي في طرقٍ لا تعرف اسمي، وأن أضحك بلغةٍ لا تفهم ارتجافة الحنين في صوتي.
سنوات الغربة في الديار الألمانية لم تكن سنواتٍ عادية؛
كانت طبقاتٍ من الصمت تتراكم فوق روحي،
وكان الوطن ينمو في داخلي كلما ابتعدت عنه أكثر،
كأن المسافة كانت ماءه السرّي.
كنت أظن أني غادرتُ المكان،
ثم اكتشفت أن المكان هو الذي بقي فيّ.
في رائحة الخبز التي تفاجئني في مدن بعيدة،
في أغنيةٍ قديمة تفتح باب طفولةٍ كاملة،
في كلمةٍ بلهجتي تجعل قلبي يلتفت قبل رأسي.
الغربة تعلّمك أن للأماكن أرواحاً،
وأن روح وطنك هي الوحيدة التي تحفظ مقاسك تماماً.
كل الأماكن الأخرى كانت واسعة قليلاً… أو ضيّقة قليلاً…
إلا وطني المغرب، كان دائماً على مقاس القلب.
وحين عدت، لم أشعر أني أصل،
بل شعرت أني أذوب في زمنٍ قديم ينتظرني.
الطرق لم تسألني من أكون،
والجدران لم تستغرب وجهي الذي تغيّر،
حتى الهواء بدا كأنه يعرف اسمي ويناديني بهدوء.
رأيت أمي…
فأدركت أن السنوات ليست أرقاماً، بل ملامح تتبدّل.
ورأيت طفولتي تمشي نحوي في الأزقة، تحمل ألعاباً صغيرة وتركض دون أن تنتظرني.
فهمت فجأة أن جزءاً مني لم يكبر أبداً… لأنه بقي هنا.
عندها فقط فهمت صلة الرحم مع الوطن:
أن يبقى لك بيتٌ في الذاكرة مهما تغيّرت العناوين،
أن يكون لك ظلٌّ ينتظرك مهما طال الغياب،
أن تملك مكاناً إذا ضاق بك العالم اتّسع لك في الدعاء.
الوطن لا يطالبك أن تشرح غيابك،
ولا يسألك ماذا جنيت من الرحيل،
الوطن يعرف أن البعيدين عنه يحملونه في أماكن لا تُرى.
هو الأم التي لا تُغلق بابها،
والطفولة التي لا تشيخ،
والإسم الذي ننطقه حين نحتاج أن نتذكّر من نحن.
عدتُ…
لا لأستعيد ما فات، فالأيام لا تعود،
بل لأضع قلبي حيث كان يجب أن يبقى منذ البداية.
لأفهم أخيراً أن الرحلة الطويلة لم تكن بحثاً عن وطنٍ جديد،
بل طريقاً طويلاً… يقودني إلى نفسي.
ثم اكتشفتُ أن العودة ليست نهاية الغربة…
بل شكلٌ جديد منها.
في الأيام الأولى، كنتُ أمشي في شوارع الصخيرات كمن يمشي في ذاكرةٍ مفتوحة.
أحفظ الطريق دون أن أفكر، وأعرف أسماء الأزقة كما أعرف إسمي،
لكن شيئاً خفياً كان يسألني بهدوء:
أحقاً لم تتغيّر أنت أيضاً؟
كنت أظن أن الصدمة ستكون في الغياب،
لكنها جاءت بعد الحضور.
فالغربة هناك كانت واضحة وصريحة،
أما هنا… فكانت خجولة، تطرق الباب همساً.
اكتشفت أنني لا أعود إلى الوطن نفسه،
بل إلى النسخة التي تركتها منه في ذاكرتي.
والذاكرة – كعادتها – تحفظ الأشياء أكثر دفئاً،
أكثر بطئاً، وأكثر براءةً مما هي عليه.
الأصدقاء كبروا فجأة،
وصار لكلّ واحدٍ منهم عالمٌ كامل لم أكن فيه.
الأماكن التي كانت واسعة لطفولتي
بدت أصغر قليلاً… أو ربما كبرتُ أنا.
حتى أنا،
كنتُ غريباً عن النسخة القديمة مني التي بقيت هنا تنتظر.
كأننا شخصان التقيا بعد سنوات طويلة
وحاولا أن يتذكّرا أين افترقا بالضبط.
تعلّمت أن للعودة حزناً خفيفاً لا يُحكى كثيراً؛
حزن الأشياء التي لم تنتظرك كما توقعت،
ولا تغيّرت بما يكفي لتبرّر غيابك.
ومع ذلك،
كان في العودة سلامٌ يشبه الجلوس بعد سفرٍ طويل.
ليس لأن الطريق انتهى،
بل لأنك توقّفت أخيراً عن الركض.
صرت أفهم الوطن بطريقةٍ أهدأ:
ليس المكان الذي يبقى كما كان،
بل المكان الذي يسمح لك أن تتغيّر دون أن يرفضك.
الوطن الذي لا يطلب منك أن تكون النسخة القديمة،
ولا يدهشك لأنك صرت شخصاً آخر،
بل يفتح لك مساحةً بين الاثنين… لتتصالح.
وفي مساءٍ عادي،
بين صوت الأذان وضحكات الجيران،
فهمت أن الغربة لم تنتهِ تماماً،
لكنها فقدت حدّتها.
صارت مثل ندبةٍ قديمة:
لا تؤلمك كل يوم،
لكنها تذكّرك بأن قلبك عرف المسافة يوماً.
وهكذا، لم تعد العودة سؤالاً:
هل وصلت؟
بل صارت جواباً هادئاً:
أنا هنا… بما صرتُ عليه.
فالرحلة التي أعادتني إلى الوطن،
أكملت طريقها داخلي،
حتى أعادتني – أخيراً –
إلى حياةٍ أستطيع أن أسكنها، دون خوف من الرحيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.