
ضربة قلم
كتبنا كثيرًا، وأسَلنا مدادًا غزيرًا في الحديث عن مصفاة سامير، تلك المنشأة التي تحولت من عنوان للسيادة الطاقية إلى جرح اقتصادي مفتوح، ومن رمز صناعي شامخ في قلب المحمدية إلى شاهد صامت على “السياسة بالانتظار”. والحق أن عودة النقاش اليوم حول هذا الملف ليست ترفًا ولا اجترارًا، بل هي ضرورة تفرضها حسابات الاقتصاد، وضغوط الشارع، ودهاليز السياسة.
سامير: بين التاريخ والمأساة
ليست سامير مجرد مصفاة للنفط. إنها جزء من الذاكرة الاقتصادية للمغرب منذ الاستقلال. تأسست لتكون صمام أمان للطاقة الوطنية، وضمانة لسيادة القرار الاقتصادي في زمن كانت فيه التبعية المطلقة تهديدًا قائمًا. غير أن السياسات المتعاقبة حولتها إلى عبء بدل أن تبقى رافعة، وإلى ملف قضائي شائك بدل أن تبقى مشروعًا استراتيجيًا.
إغلاقها لم يكن مجرد توقف لمداخن الحديد عن النفث، بل توقف شرايين اقتصاد بكامله عن التدفق. فجأة وجدنا أنفسنا مرتهنين بالكامل لأسواق النفط الخارجية، نشتري بالسعر الذي يُفرض علينا، ونُسوّق الوهم للمواطن بأن المحروقات “حرّة”، بينما جيوب المواطنين تستنزف يوميًا عند محطات الوقود.
مسؤولون بلا قرار.. وحسابات لا تُرى
ما يجعل هذا الملف مثيرًا للغضب هو التردد المتعمد للجهات المسؤولة. الدولة تعرف حجم الخسائر، وتدرك جيدًا أن استمرار إغلاق سامير خطأ استراتيجي، ومع ذلك تكتفي بالانتظار. لماذا؟ الجواب بسيط ومعقد في الآن ذاته: هناك أطراف تستفيد من الوضع. شركات التوزيع التي راكمت أرباحًا خيالية من استيراد وتخزين وبيع المحروقات لا يزعجها أن تظل سامير خارج الخدمة.
أما السياسيون، فهم يعتبرون الملف “ثقيلًا” أكثر مما ينبغي، فيفضلون تركه في الثلاجة ريثما ينضج على نار التفاوض. والضحايا كالعادة هم المواطنون، الذين يدفعون ثمن غياب القرار مرتين: مرة عند ملء الخزان، ومرة عند رؤية المصانع الوطنية تتآكل بلا روح.
الحل: قرار ملكي يطوي الملف
أمام هذا الانسداد، لم يعد الأمل معقودًا إلا على قرار ملكي يحسم الأمر، بعيدًا عن المناورات الحزبية واللوبيات الاقتصادية. قرار يقضي إما بتعميم المصفاة وإعادتها إلى حضن الدولة، أو بخوصصتها وفق شروط شفافة تضمن استمرارها كرافعة استراتيجية لا كصفقة مالية عابرة.
المغاربة اليوم لم يعودوا يطيقون لغة المراوغة: إما أن نعيد تشغيل سامير ونجعلها ورقة قوة في يد الاقتصاد الوطني، أو نعلن بوضوح أننا لا نملك الجرأة السياسية لمواجهة المصالح المتشابكة.
اقتصاد أم سياسة؟
السؤال الجوهري: هل سامير ورقة لإنقاذ الاقتصاد الوطني، أم أنها مجرد ملف يُستعمل كورقة في لعبة التفاوض السياسي بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين؟
-
إذا كانت اقتصادًا فقط، فالقرار واضح: عودة سامير تعني تقليص التبعية، خفض كلفة الاستيراد، وتحقيق الأمن الطاقي.
-
وإذا كانت سياسة، فهي ورقة مساومة تُفتح حينًا وتُغلق حينًا آخر، بحسب ميزان القوة والمصالح.
الخاتمة: الأمل معلق
بين كل هذه المتناقضات، يظل الأمل حيًا. ليس لأننا مغاربة نعشق الأحلام المستحيلة، بل لأننا ندرك أن استمرار الوضع الحالي إفلاس بعينه. ومهما طال زمن الانتظار، فإن ملف سامير سيعود إلى الطاولة.
الفرق فقط: هل سيعود بقرار ملكي يطوي الجرح، أم سيبقى رهينة التفاوض السياسي، بينما يستمر النزيف على حساب الوطن والمواطن؟




