الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

عيد الأضحى.. حين تُهاجر الدار البيضاء جماعيا نحو “مسقط الرأس” وتتحول العاصمة الاقتصادية إلى مدينة أشباح

ضربة قلم

في كل سنة، وقبل أيام قليلة من عيد الأضحى، يبدأ المغرب في التحول إلى وطنين مختلفين تماما: مغرب المدن الكبرى المكتظة التي تعيش على إيقاع السرعة والضجيج والضغط، ومغرب آخر يفتح ذراعيه في القرى والمدن الصغيرة لاستقبال أبنائه العائدين إلى “مسقط الرأس”، كما لو أن البلاد كلها، تدخل في عملية هجرة جماعية معاكسة، لا تشبه أي ظاهرة اجتماعية أخرى.

في الدار البيضاء تحديدا، يبدو المشهد أقرب إلى معجزة سريالية يصعب تصديقها. المدينة التي تختنق يوميا بزحام السيارات، وصراخ المنبهات، وطوابير الحافلات، وسباق البشر مع الوقت، تتحول فجأة بعد أول أيام العيد إلى فضاء هادئ حد الغرابة، حتى إنك قد تشعر وأنت تتجول في بعض شوارعها، وكأنك في مدينة مهجورة بعد إعلان “نهاية العالم”.

الشوارع التي كانت قبل أيام فقط تعاني الاختناق المروري، تصبح فارغة بشكل يدعو للدهشة. المقاهي التي كانت تعج بالزبائن تغلق أبوابها أو تشتغل بنصف طاقتها، والمحلات التجارية تسدل ستائرها الحديدية، بينما تختفي الضوضاء التي اعتادها سكان العاصمة الاقتصادية، حتى تكاد تسمع صوت الريح وهي تمر بين الأزقة.

أما درب عمر، القلب التجاري النابض للمغرب، فيتحول إلى صورة نادرة لا تتكرر إلا في نفس المناسبة. هناك، لا يعود التجار مجرد أصحاب محلات، بل يصبحون مهاجرين موسميين يحملون حقائبهم ويغادرون دفعة واحدة، نحو كل جهات المملكة؛ إلى الشمال والريف، إلى سوس والصحراء، إلى الأطلس والشرق، وإلى القرى الصغيرة التي مازالت تنتظر أبناءها كل عيد، كما تنتظر الأم أبناءها العائدين من سفر طويل.

في تلك الأيام، يصبح العثور على “بنّاء” أو سبّاك أو نجار أو كهربائي مهمة شبه مستحيلة. الحرفيون يختفون بالكامل من المدينة، لأن أغلبهم يعودون إلى أسرهم وقراهم لقضاء العيد وسط العائلة، حتى إن بعض الأوراش الكبرى تتوقف قسرا بسبب غياب اليد العاملة. وكأن الاقتصاد نفسه، يأخذ عطلة جماعية احتراماً لقدسية المناسبة.

عيد الأضحى بالنسبة لعدد كبير من المغاربة، ليس مجرد شعيرة دينية مرتبطة بالذبح واللحم والطقوس المعروفة، بل هو مناسبة لإعادة ترميم الروابط العائلية التي أرهقتها المدن الكبرى والعمل وضغط الحياة. كثيرون يعيشون طوال السنة في شقق ضيقة داخل مدن إسمنتية باردة، لكنهم في العيد يعودون إلى دفء البيوت القديمة، إلى رائحة الخبز التقليدي، إلى جلسات السطح، إلى أحاديث الجيران، وإلى أسماء الطفولة التي لا يسمعونها إلا هناك.

المثير أن هذه “الهجرة الكبرى” تكشف وجها آخر للمغرب، لا يظهر في التقارير الاقتصادية ولا في لغة الأرقام. فهي تؤكد أن الانتماء الحقيقي لكثير من المغاربة، لا يزال مرتبطا بالقرية والحي القديم وبيت العائلة، حتى لو قضوا سنوات طويلة في المدن الكبرى. ولذلك، فإن الملايين يغادرون دون تردد، رغم غلاء التنقل وارتفاع مصاريف العيد، فقط لأن هناك شيئا أعمق من الحسابات المادية يدفعهم للعودة: الحنين.

وفي كل مرة، تبدو الدار البيضاء وكأنها مدينة تخلع قناعها الحقيقي لبضعة أيام. مدينة ضخمة تكتشف فجأة، أنها ليست سوى محطة عمل مؤقتة لملايين الأشخاص الذين يحملون قلوبهم في أماكن أخرى من المغرب.

وربما لهذا السبب بالذات، تبدو العاصمة الاقتصادية بعد العيد حزينة بشكل غريب. فالهدوء الذي يراه البعض راحة، يراه آخرون فراغا مخيفا. لأن المدن مهما كانت ضخمة وحديثة، تبقى بلا روح، حين يغادرها الناس نحو الأماكن التي يشعرون فيها، بأنهم مازالوا ينتمون حقا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.