الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

عيد الأضحى يتحول سنويا إلى موسم لاستنزاف جيوب المواطنين: من يوقف فوضى تسعيرة “الطاكسيات الكبيرة”؟

ضربة قلم

دأب عدد كبير من المغاربة الذين فرضت عليهم ظروف الحياة والعمل، مغادرة مسقط الرأس والاستقرار بمدن أخرى، خاصة بجهة جهة الدار البيضاء-سطات، على شد الرحال كل مناسبة عيد الأضحى، نحو قراهم ومدنهم الأصلية، بحثا عن دفء العائلة وصلة الرحم، ولو لأيام معدودة. غير أن هذه المناسبة الدينية والاجتماعية، التي يفترض أن تكون عنوانا للفرح والتكافل، تتحول عند فئة واسعة من المواطنين، إلى مصدر قلق واستياء، بسبب ما يرافقها من فوضى في النقل، خاصة ما يتعلق بتسعيرة سيارات الأجرة الكبيرة.

فما إن تقترب أيام العيد، حتى يجد المواطن نفسه أمام واقع مختلف تماما عن الأيام العادية. تسعيرات تتضاعف أحيانا بشكل صادم، ومبررات جاهزة، يتم ترديدها بشكل يكاد يكون محفوظا: “الرجوع خاوي”، “الطلب كثير”، “العيد مرة في العام”، أو “الطريق ما فيهاش الخدمة”. وكأن المواطن البسيط، مطالب كل مرة بأن يؤدي ثمن المناسبة مرتين: مرة بشراء الأضحية ومتطلبات العيد، ومرة أخرى عبر أداء “ضريبة غير معلنة” في وسائل النقل.

المثير في الأمر أن حجة “العودة فارغا” أصبحت لازمة موسمية تتكرر كل عيد، بينما يعلم الجميع أن عددا كبيرا من سائقي سيارات الأجرة الكبيرة يشتغلون طوال السنة في خطوط يعرفون مسبقا أنها لا تضمن دائما ذهابا وإيابا مملوءين بالركاب، ومع ذلك، لم يكن ذلك يوما مبررا قانونيا، لفرض زيادات عشوائية خارج التعريفة المعمول بها. فكيف تصبح المقاعد الفارغة مشكلة فقط في الأعياد والمناسبات الدينية؟ وكيف يتحول المواطن، بمجرد رغبته في زيارة أسرته، إلى هدف سهل لاستنزاف جيبه؟

وإذا كانت ذاكرة المغاربة لا تخونهم، فإنهم يستحضرون سنوات مضت، قبل حكومة “مول البونبة”، حين كانت الزيادة الطفيفة في أسعار المحروقات، أحيانا بدرهم واحد فقط في اللتر، تتحول مباشرة إلى ذريعة لرفع تسعيرة النقل بين المدن والمناطق المجاورة. يومها، كان بعض أصحاب سيارات الأجرة يضيفون درهما أو درهمين أو أكثر على كل راكب، دون حسيب أو رقيب، وكأن الأمر يتعلق بقانون جديد لا نقاش فيه. والغريب أن تلك الزيادات كانت تتم بسرعة البرق، بينما حين تتراجع أسعار المحروقات أو تستقر، لا يسمع المواطن أبدا عن تخفيضات مقابلة.

هذا الواقع جعل فئات واسعة من المغاربة، تشعر بأن جيوبها أصبحت الحلقة الأضعف في كل الأزمات والمناسبات. فالمواطن البسيط الذي يشتغل طوال السنة بأجرة محدودة، ويؤدي فواتيره وكراءه ومتطلبات أبنائه، يجد نفسه مضطرا أيضا لتحمل مزاجية بعض السائقين، الذين يقررون رفع التسعيرة وفق منطق “الموسم”، لا وفق القانون.

ولا يتعلق الأمر هنا بتعميم أو مهاجمة كل مهنيي القطاع، لأن من بينهم من يحترم القانون ويقدر ظروف المواطنين، بل إن بعض السائقين أنفسهم، يشتكون من الفوضى التي يخلقها البعض، والتي تسيء إلى صورة المهنة ككل. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب المراقبة الصارمة خلال المناسبات الكبرى، وترك المواطن وحيدا في مواجهة الأمر الواقع، خاصة في المحطات الطرقية والنقط السوداء التي تتحول إلى فضاءات مفتوحة للابتزاز غير المعلن.

إن ما يحدث في كل عيد أضحى يطرح أكثر من سؤال حول دور الجهات المكلفة بالمراقبة. فأين مصالح العمالات؟ وأين لجان المراقبة؟ وأين السلطات الأمنية التي يفترض أن تتدخل لحماية المواطنين، من أي تجاوزات تمس القدرة الشرائية أو تضرب مبدأ احترام القانون؟ لأن ترك الأمور تسير بمنطق “خليها دوز” لا يؤدي سوى إلى ترسيخ ثقافة الإفلات من المحاسبة، وتشجيع البعض على تكرار نفس السلوك كل سنة.

ثم إن الحديث عن “ظروف المهنة” لا يمكن أن يكون مبررا للفوضى، أو لفرض أسعار غير قانونية. فالمواطن أيضا يعيش ظروفا صعبة، وربما أكثر قسوة، خصوصا في ظل الغلاء المتواصل الذي أنهك الأسر المغربية. لذلك، فإن استغلال المناسبات الدينية والاجتماعية لفرض زيادات عشوائية، لا يمكن اعتباره سوى مسا مباشرا بمفهوم التضامن الاجتماعي، الذي يفترض أن يسود في مثل هذه المناسبات.

ومن المؤسف أن يتحول عيد الأضحى، الذي يمثل لدى المغاربة قيمة دينية وروحية واجتماعية كبيرة، إلى فرصة عند البعض لتحقيق أرباح سريعة على حساب البسطاء. فبدل أن يشعر العامل أو الموظف البعيد عن أسرته، بفرحة العودة إلى حضن العائلة، يجد نفسه منذ لحظة البحث عن وسيلة نقل، في مواجهة مفاوضات مرهقة وأسعار ملتهبة وأجواء مشحونة.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل صارم وحقيقي من طرف السلطات المختصة، ليس عبر حملات موسمية محدودة، بل من خلال إجراءات عملية واضحة، تبدأ بتكثيف المراقبة داخل المحطات الطرقية والمسالك المعروفة، وتمر عبر فرض احترام التسعيرة القانونية، وتنتهي بتفعيل العقوبات في حق كل من يثبت تورطه في استغلال المواطنين.

كما أن جمعيات حماية المستهلك، مطالبة بدورها بالخروج من صمتها، والتفاعل مع هذه الظاهرة التي تتكرر بشكل يكاد يصبح عاديا في كل عيد. لأن التطبيع مع مثل هذه الممارسات، هو أخطر ما يمكن أن يقع داخل أي مجتمع، حين يصبح المواطن مقتنعا بأن الاستغلال قدر موسمي لا مهرب منه.

إن المغاربة لا يطالبون بالمستحيل، ولا يبحثون عن امتيازات خاصة، بل فقط عن الحد الأدنى من الاحترام والإنصاف. يريدون أن يسافروا نحو عائلاتهم دون أن يشعروا بأنهم ضحايا “موسم افتراس” يتكرر كل عيد، تحت مبررات لم تعد تقنع أحدا.

ويبقى السؤال الكبير، الذي يتردد كل سنة دون جواب حقيقي: إلى متى سيظل بعض المواطنين يؤدون ثمن الأعياد مرتين… مرة في الأسواق، ومرة داخل سيارات الأجرة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.