
ضربة قلم
في البداية، لا يسعنا إلا أن نتقدم بأحر التهاني إلى كل الشعوب الإسلامية بمناسبة عيد الأضحى المبارك، ذلك العيد الذي يفترض أن يكون مناسبة للفرح والتآزر وصلة الرحم، وأن يشعر فيه البسيط قبل الميسور، بأن له مكانًا في هذا الوطن، وأن كرامته الاجتماعية ما زالت محفوظة ولو ليوم واحد في السنة.
لكن، وبينما يستعد ملايين المسلمين لاستقبال العيد بالدعاء والتكبير والطمأنينة، يجد المغربي نفسه هذه السنة أمام واقع أقرب إلى الصدمة الجماعية، بعدما تحول “الحولي” من شعيرة دينية واجتماعية، إلى كابوس اقتصادي حقيقي، كشف بشكل فاضح حجم الهوة بين حكومة تعيش في عالم الأرقام الباردة، وشعب يئن تحت وطأة الغلاء والاحتكار، وارتفاع تكاليف الحياة بشكل لم يعد يُحتمل.
لقد دخلت حكومة عزيز أخنوش امتحان عيد الأضحى من أضيق أبوابه، فسقطت فيه أخلاقيًا واجتماعيًا، قبل أن تسقط سياسيًا. لأن المغاربة لم يعودوا يبحثون فقط عن حلول اقتصادية معقدة أو مشاريع عملاقة، بل صاروا يبحثون عن شيء أبسط بكثير: قليل من الرحمة… قليل من الإحساس… قليل من الاعتراف، بأن هذا الشعب لم يعد قادرًا على التنفس.
والمفارقة المؤلمة، أن رئيس الحكومة نفسه يوجد على رأس واحدة من أكبر الإمبراطوريات المرتبطة بالمحروقات، في وقت أصبح فيه المواطن المغربي، يشعر وكأنه زبون إجباري في متجر مفتوح بلا رحمة، تُستنزف فيه جيوبه يوميًا عبر أسعار الوقود التي أحرقت النقل، وأسعار النقل التي أحرقت الخضر، وأسعار الخضر التي أحرقت القدرة الشرائية بالكامل.
فكلما ارتفع ثمن “المازوط”، ارتفع معه كل شيء: الطماطم، البطاطس، اللحم، الدجاج، الكراء، وحتى “التنفس” صار يبدو، وكأنه مشروع مؤدى عنه بالتقسيط.
المغربي اليوم لا يعيش فقط أزمة غلاء، بل يعيش حالة إنهاك نفسي جماعي.
الأب الذي كان ينتظر عيد الأضحى، ليشعر بأنه ما زال قادرًا على إسعاد أبنائه، صار يمر أمام أسواق المواشي، وكأنه يمر أمام واجهات سيارات فاخرة، لا يملك حتى حق الحلم بها.
والأم التي كانت تخطط لتجهيز البيت للعيد، صارت تحسب ثمن الزيت والسكر والدقيق، وكأنها تدير ميزانية دولة مفلسة.
أما الأطفال، فقد تحول سؤالهم البريء: “واش غنشريو الحولي؟” إلى سؤال ثقيل يخترق قلوب الآباء،، أكثر من أي خطاب سياسي.
والأخطر من كل هذا، أن الحكومة تتعامل مع الوضع ببرودة أعصاب تثير الاستغراب، وكأن ما يعيشه المغاربة مجرد “تفاصيل عابرة”، لا أزمة تخنق ملايين الأسر.
لا اعتراف حقيقي بحجم الألم، ولا إحساس، بأن العيد الذي كان يومًا مناسبة للفرحة الجماعية، صار اليوم امتحانًا قاسيًا للكرامة قبل القدرة الشرائية.
بل إن الخطاب الرسمي أحيانًا، يوحي وكأن المواطن هو المذنب لأنه ما زال يريد أن يفرح أبناءه، أو لأنه لم يتأقلم بعد مع فكرة أن الأعياد، تحولت بالتدريج إلى امتياز اجتماعي لا يقدر عليه سوى “الميسورين”.
ففي الجارة إسبانيا، التي يردد البعض أنها “أوروبا الغالية”، يمكن العثور على أضحية العيد بحوالي 800 درهم مغربي تقريبًا، في وقت يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور هناك 9600 درهم شهريًا.
أي أن العامل البسيط في إسبانيا يستطيع نظريًا، شراء أكثر من عشرة أضاحٍ من راتبه الشهري.
أما في المغرب، فالمشهد أقرب إلى النكتة السوداء.
نفس الخروف الذي يفترض أن يكون في متناول الأسر البسيطة، تجاوز ثمنه في كثير من الأحيان 5000 درهم، بينما الحد الأدنى للأجور لا يتجاوز حوالي 2300 درهم.
أي أن المغربي مطالب عمليًا، بأن يشتغل شهرين كاملين تقريبًا، فقط ليشتري “حوليًا” واحدًا، دون أن يأكل، أو يشرب، أو يؤدي فاتورة الماء والكهرباء، أو يشتري دواء، أو يؤدي واجب الكراء.
أي منطق هذا؟
وأي حكومة يمكنها أن ترى هذه الأرقام ثم تستمر في الحديث عن “الإنجازات” و”الدولة الاجتماعية” دون أن تشعر بالحرج؟
لقد أصبح المواطن المغربي يعيش مفارقة قاسية جدًا:
في الخارج، تُحترم القدرة الشرائية، كجزء من كرامة الإنسان، بينما في الداخل، يبدو المواطن، وكأنه مشروع دائم للاستنزاف.
الضرائب ترتفع، الأسعار ترتفع، المحروقات ترتفع بشكل مستفز، والفواتير ترتفع… وحده راتب المواطن المغربي، ظل وفيًا لمكانه، كأنه صورة معلقة على الحائط منذ سنوات لا يقترب منها أحد.
والأدهى أن “الشناقة” والسماسرة وجدوا هذا العام بيئة مثالية للافتراس، في ظل غياب مراقبة حقيقية، وضعف إجراءات الردع، ومباركة حكومية جعلت كثيرين يشعرون، وكأن السوق تُرك لمنطق: “كل واحد ينجو بنفسه”.
فتحولت مناسبة دينية يفترض أن تجمع الناس على الفرح، إلى موسم للمضاربة والخوف والتوتر.
المغاربة اليوم لا يطلبون المستحيل.
لا يطلبون قصورًا ولا سيارات فارهة ولا امتيازات خيالية.
هم فقط يريدون أن يعيشوا بكرامة داخل وطنهم، وأن لا يتحول العيد إلى كابوس مالي، وأن لا يشعر الأب بالعجز أمام أطفاله، وأن لا تصبح الأضحية رمزًا للفوارق الطبقية بدل أن تكون رمزًا للتضامن والتقرب إلى الله.
ولعل أخطر ما في كل هذا، أن الحكومات قد تنجو من الأزمات السياسية، وقد تنجو من الانتقادات الإعلامية، لكنها نادرًا ما تنجو من لحظة، يفقد فيها الشعب ثقته العاطفية والإنسانية فيها.
لأن المواطن يمكن أن يصبر على الفقر، لكنه لا يصبر طويلًا على الإحساس، بأن من يحكمه لا يشعر به أصلًا.
عيد الأضحى هذا العام لم يكشف فقط غلاء الأسعار…
بل كشف أيضًا حجم المسافة التي أصبحت تفصل بين المواطن البسيط، وحكومة يبدو أنها تتقن لغة الأرقام، أكثر مما تتقن لغة القلوب.




