الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

عيد تحت زجاج النسيان… حين تبكي الأمهات بصمت في دور المسنين

ضربة قلم

في هذا اليوم، 25 ماي 2025، عيد الأم، تتزاحم المشاعر، وتتعالى الأصوات في القلوب قبل الحناجر. هو يوم يبدو في ظاهره يوماً للاحتفال، لتوزيع الورود والهدايا ونشر صور الأمهات على صفحات التواصل الاجتماعي، لكن خلف هذا المظهر البهيّ، كم من قلوب تتألم بصمت؟ كم من أم تنظر من خلف زجاج نافذة أحد مراكز رعاية المسنين، تنتظر وجهاً تعرفه، صوتاً ألفته، حضناً تشتاقه، لكن لا أحد يأتي. كم من أم تلعق مرارة الجحود، جالسة في غرفة باردة لا تزورها سوى الممرضة؟ كم من أب مكسور الخاطر، عاش كل عمره في شقاء من أجل أن يكبر أولاده، واليوم لا أحد يسأل عنه؟ تسألهم عنه الممرضة، وتقرأ له الأخبار من جريدة قديمة، فيغمض عينيه لا ليستمع، ولكن ليهرب، ليحلم، ليعود إلى زمن كانت فيه “دار العائلة” بيتًا، لا غرفة معزولة برائحة الأدوية والعزلة.

في هذا اليوم بالذات، تتجلى أقسى صور التناقض الإنساني. نعيش في مجتمعات تكثر فيها الأعياد، وتقل فيها الرحمة. نحتفل شكلاً ونخون مضمونًا. نحمل ورودًا لأمهاتنا في عيد الأم، وربما نكون بالأمس قد أسمعناها ما لا يليق، أو تجاهلنا مكالمتها لأننا “مشغولون”. كم من أب وأم لا يعرفون عن أولادهم سوى أخبارهم عبر الفيسبوك أو من أفواه الجيران. لقد تحوّلت العلاقة التي كانت يوماً مقدسة إلى علاقة روتينية، تستهلكها الحياة الحديثة، وتقتلها الأنانية.

والأقسى من كل ذلك أن يتحول الصراع داخل الأسرة إلى صراع غير معلن بين الزوجة والأم، فيقف الرجل – الإبن – عاجزًا، أو متواطئًا في كثير من الأحيان. هنا، تُختبر رجولة الرجل، لا في رفع الصوت ولا في التسلط، ولكن في قدرته على صنع التوازن، على جعل الحب لا ينقص من جهة حتى يفيض على الأخرى. ليس سهلاً أن يحب الرجل زوجته من أعماقه، ويحافظ على برّه لأمه بنفس القوة. لكن الأصعب من ذلك هو أن يبر أمه فقط أمام الناس، وأن يحب زوجته فقط لنفسه، وينسى أن توازن المشاعر، وعدالة القلب، هما من علامات النضج وعلو المقام.

كم من زوجة اليوم تعاني من تجاهل زوجها لأمها، كما تعاني أم الزوج من تجاهل زوجة ابنها؟ وكم من أم اليوم تكره زوجة ابنها لأنها أخذته منها، لا لأنها أهانتها، بل لأنها فقط أصبحت امرأةً أخرى تحتلّ القلب؟ كم من الرجال يتفرجون على هذا الصراع الأبدي، وبدل أن يكونوا حماته بالعدل، يصبحون طرفًا، يزيدون النار اشتعالًا؟ كم من زوج اليوم يمنع أبناءه من زيارة جدتهم لأن هناك خصامًا بين الأم والحماة؟ وهكذا يُسرق الحنان بالتقسيط من حياة الأبناء، ويكبر الجفاء، وتُزرع بذور القسوة.

الحق يُقال، لا توجد معادلة جاهزة للوفاء. لا يوجد كتاب تعليمات يعلمك كيف تكون إبناً صالحاً وزوجاً محباً في آن. لكن توجد بوصلة داخل القلب، من اتبعها لا يضلّ: إنها الرحمة. أن تضع نفسك مكان أمك حين تكبر، فتفهم كم يحتاج الإنسان إلى كلمة طيبة لا إلى تحويل بنكي. أن تضع نفسك مكان أبيك حين يتقاعد، فيعيش فجأة الفراغ والخواء بعد عقود من العمل المضني. أن تفهم أن الحياة تسير، لكن الذين تعبوا من أجلك لا يطلبون إلا القليل من الوقت والحنان، وبعض التقدير، لا أكثر.

وفي المقابل، كم من رجل استطاع أن يبني بيته على المحبة لا على المفاضلة؟ كم من رجل عرف أن الأم لا يمكن أن تتكرر، وأن الزوجة لا يمكن أن تنجح دون دعم نفسي وشراكة؟ كم من رجل وزّع قلبه بعدالة، فبارك الله له في بيته، وفي رزقه، وفي صحته؟ هذه هي السعادة الحقيقية، أن تعيش في سلام داخلي، لا تمزقك تأنيبات الضمير حين تغيب عن والديك، ولا يخنقك الإحساس بالذنب حين ترى زوجتك تبكي لأنها شعرت بالظلم.

رحم الله كل أمٍ رحلت، وقد تركت فينا ما لا يموت: دعواتها التي كانت تسندنا دون أن ندري، وخوفها علينا الذي كان يحرسنا ونحن نائمون، وحرمانها من كل شيء فقط لنحصل نحن على كل شيء. كم من أم ماتت وفي قلبها غصّة لأنها لم ترَ أبناءها في أيامها الأخيرة؟ كم من أم توفيت وهي تهمس باسم ابنها الذي لم يأتِ؟ ثم بعد موتها، كتب عنها كلامًا جميلاً على الفيسبوك، وذرف دموعاً كانت لتساوي كنزًا لو ذرفها وهي حية.

ما أقسى هذا الواقع. وما أكثر الأقنعة في عصر الاحتفالات المصطنعة. لكن لا تزال هناك شموع مضيئة، أمهات يُكرمن في حياتهن، وآباء يُحترمون دون مناسبة، وأبناء لا ينتظرون عيد الأم ليقولوا: “أحبك يا أمي”، بل يقولونها كل يوم، بكل الطرق، بالفعل قبل القول، وبالحضور لا بالهدايا.

ليتنا جميعًا نتذكر أن برّ الوالدين ليس موسمًا، وأن من يزرع الودّ بين الأم والزوجة يبني بيتًا لا تهزه الرياح. وليت كل من فقد أمه، يستثمر ما تبقى من قلبه ليعطي الحب لمن حوله، فالفراغ لا يُملأ، لكن يمكن أن نحوله إلى منارة، نُحسن بها للناس كما كانت أمهاتنا تُحسن إلينا.

في هذا اليوم، لا نحتاج إلى التهاني، بل نحتاج إلى لحظة صمت، نحاسب فيها أنفسنا: هل كنا أبناءً حقيقيين؟ هل نستحق دعوات أمهاتنا؟ هل نعرف أن “الجنة تحت أقدام الأمهات” ليست مجرد حديث، بل مبدأ حياة؟ لننحني قليلًا أمام هذه العظمة، ونحب أكثر، ونفي أكثر، ونرحم أكثر.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.