غزة: بين جوع الحقيقة وشبع الخيانة

ضربة قلم
أين العرب؟ آهٍ لو نعلم!
ربما في اجتماع طارئ… حول نكهة “اللاتيه” الأفضل في مقاهي العواصم.
ربما في قمة عاجلة… لمناقشة أزمة نقص “المرطبات” في صيف الخليج.
أو لعلهم في عزّ انشغالهم بـ”مسلسل تركي” عن الحبّ المستحيل، أو في انتظار “كأس العرب” الذي يضمّ منتخبات لا تفوز حتى في أحلام مدربيها.
أين العالم؟ العالم منشغل بأمور عظيمة! فمثلاً، يحتفل الغرب هذه الأيام بإطلاق آيفون جديد، مزوّد بتقنية تجعلك تلتقط سيلفي مع ضميرك – إن وُجد.
أما الشرق، فمشغول بمنافسة “تيك توك” واحتلال التريند في الرقصة رقم 86.
في غزة؟
الجوع لا يحتاج إلى تصريح صحافي.
هناك، لا وجبة غذاء ولا عشاء، لا دواء ولا ماء، لا سقف ولا أمان.
الطفل هناك لا يسأل عن الآيباد، بل عن رغيف خبزٍ بلا شظايا.
الأم لا تفكر في نوع حفاظة طفلها، بل في مكان آمن تدفنه فيه إذا ما باغته القصف.
الناس في غزة لا “يعيشون” التجويع، بل “يموتونه” كل لحظة.
هناك، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بعدد الطائرات التي تحلق في السماء.
الضوء الوحيد يأتي من انفجار، والصوت الوحيد هو عواء الطائرات، والرجاء الوحيد هو ألا يأتي الدور على من بقي.
والعرب؟
بعضهم يتغزل بغزة في خطابات نارية مفعمة بالمجازات النضالية، تنتهي دومًا بعبارة: “نستنكر بشدة”، وكأنها طلقة تطرد الاحتلال من الحدود!
وبعضهم، للأسف، يرى في الجائع تهديدًا، وفي الطفل الجريح عبئًا إعلاميًا.
وبعضهم… باع القضية مقابل صفقات لامعة، وأحضان باردة في فنادق خمس نجوم، حيث تُدار المفاوضات وتُنسى الجثث.
أما العالم “الحرّ”، فيُجري تحقيقًا شفافًا حول سبب نفوق ثلاثة حمام في أوروبا، ويصدر بيانًا عاجلاً لإدانة تعنيف كلب في ولاية نائية،
ثم يتثاءب في وجه غزة وكأنها مجرد بقعة داكنة على خريطة الأناقة الإنسانية.
في غزة، يكبر الأطفال بسرعة، ليس لأنهم ينمون جيدًا، بل لأنهم يموتون صغارًا.
وفي العالم العربي، يصغر الكبار بسرعة، لأنهم يفرون من مسؤولياتهم كأطفال خائفين.
تُجَوَّع غزة في العلن،
ويُلعَن صمتنا في السر،
ويُطرَح السؤال دون جدوى:
أين العرب؟
والجواب الوحيد الذي نسمعه… هو صوت مضغ الطعام في موائد العار.




