غزلان بنت المغرب… محللة أحداث رقمية تدافع عن التراث المغربي من قلب المهجر دون “أدسنس” ولا ميزانيات ضخمة

ضربة قلم
في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي فضاءً تتحكم فيه الأرقام والمشاهدات والإعلانات، وصار الكثير من صناع المحتوى يعتمدون على “الأدسنس” والعائدات المالية كمصدر أساسي للاستمرار، برز اسم اختار السير في اتجاه مختلف تمامًا. إنها المغربية المقيمة ببلجيكا غزلان بنت المغرب، التي تحولت مع مرور السنوات من مجرد صانعة محتوى تهتم بالمطبخ المغربي، إلى محللة للأحداث الرقمية المرتبطة بالهوية والتراث المغربي، وصوت يدافع عن الذاكرة الجماعية للمغاربة من قلب المهجر، دون أن تجعل من قناتها مشروعًا مدرا للربح، حيث يعد نشاطها على منصة اليوتوب لم يعد مجرد بث محتوى ترفيهي أو يومي، بل تحول إلى مساحة نقاش حول ما يتعرض له التراث من استنساخ أو قرصنة أو توظيف خارج سياقه الأصلي.
وما يلفت الانتباه في تجربتها أنها لا تُسقط حساباتها على منطق الربح، بقدر ما تُراهن على الاستمرارية المعنوية للمحتوى، حتى وإن كان ذلك خارج دوائر الاستفادة المباشرة من الإعلانات. هذا الاختيار يجعل حضورها في الفضاء الرقمي مختلفاً، لكنه في المقابل يضعها أحياناً في مواجهة انتقادات رخيصة أو حملات رقمية حادة، وهو ما تتعامل معه ضمن واقع معروف في منصات التواصل، حيث لا تخلو الساحة من التباس بين حرية التعبير وحدود الاختلاف.
في المحصلة، تبدو تجربة غزلان بنت المغرب أقرب إلى محاولة لإعادة طرح سؤال أعمق: هل يمكن للمحتوى الرقمي أن يكون مساحة للدفاع عن الهوية والتراث دون أن يتحول بالكامل إلى موضوع خاضع لمنطق السوق؟
في المهجر، حيث تذوب الهويات أحيانًا وسط مجتمعات متعددة الثقافات، اختارت غزلان أن تحمل المغرب معها في كل التفاصيل الصغيرة: في لهجتها، في وصفاتها، في دفاعها عن التراث المغربي، وفي مواقفها الواضحة تجاه كل ما تعتبره محاولة لطمس الهوية أو إعادة تقديمها خارج سياقها الحقيقي.
جدير بالذكر، أن رحلتها مع اليوتيوب بدأت سنة 2010 بشكل بسيط وعفوي، دون أي تخطيط للشهرة أو التأثير الواسع. كانت فقط مغربية تعيش ببلجيكا وتشعر بحنين كبير لكل ما يرتبط بالمغرب، خاصة المطبخ التقليدي، الذي كانت تعتبره أكثر من مجرد وصفات، بل ذاكرة ثقافية متكاملة، تنقل تاريخ المغاربة وعاداتهم وطقوسهم الاجتماعية.
كانت تشارك وصفات مغربية مع زملائها ومعارفها في بلجيكا، وتحكي لهم قصص الأطباق والمناسبات التي تُحضّر فيها، قبل أن تقرر فتح قناة على يوتيوب لتوسيع دائرة التعريف بالمطبخ المغربي. في تلك المرحلة، لم يكن يخطر ببالها أن يتحول هذا الشغف البسيط لاحقًا إلى ما يشبه “المعركة الرقمية” دفاعًا عن التراث المغربي.
في البداية، كانت تتعامل مع كل ما يُثار حول بعض عناصر التراث المغربي بهدوء كبير، معتقدة أن الأمر مجرد سوء فهم أو نقص في المعلومات. لذلك، اختارت أسلوب التوضيح العقلاني باللغة الفرنسية، بهدف الوصول إلى جمهور أوسع داخل أوروبا، وتقديم شروحات تاريخية وثقافية حول أصول بعض الأطباق والرموز المغربية.
لكن مع مرور الوقت، بدأت تلاحظ تكرار نفس السلوكات: الزليج المغربي يُقدَّم بشكل مغاير، القفطان يُنسب لغير أهله، الكسكس والبسطيلة والطاجين والحايك تدخل كلها في دوامة الجدل الرقمي، وكأن الأمر لم يعد مجرد حالات معزولة، بل نمط متكرر يثير الكثير من التساؤلات.
اللحظة التي شكلت نقطة التحول في مسارها، كانت عندما شاهدت برنامجًا فرنسيًا تُقدَّم فيه البسطيلة الفاسية المغربية وكأنها تنتمي إلى الكراغلة. وقتها شعرت، كما تقول، أن الأمر تجاوز مجرد وصفة طبخ، وأصبح يتعلق بجزء من الذاكرة المغربية التي يتم تقديمها خارج سياقها الحقيقي.
لم تكن البسطيلة بالنسبة لها مجرد طبق يُقدَّم فوق الموائد، بل جزءًا من تاريخ المغرب، ومن المناسبات العائلية والأعراس والتقاليد التي توارثها المغاربة جيلًا بعد جيل. ولذلك، لم تستطع التزام الصمت، وقررت الخروج للحديث والتوضيح والدفاع عما تعتبره جزءًا من الهوية المغربية.
ومنذ تلك المرحلة، بدأت قناتها تتحول تدريجيًا من قناة تهتم بالطبخ المغربي فقط، إلى منصة للنقاش والتوضيح والدفاع عن التراث المغربي. والمثير في تجربتها أن هذا التحول، لم يكن بدافع البحث عن الإثارة أو الجدل، بل جاء نتيجة شعورها بأن الصمت قد يُفهم وكأنه قبول بالأمر الواقع.
ورغم أن هذا التغيير كلّفها فقدان عدد من المتابعين الذين كانوا يبحثون فقط عن محتوى ترفيهي خفيف، فإنها بالمقابل اكتسبت جمهورًا جديدًا يرى فيها صوتًا يعبر عن قناعاته وتساؤلاته المرتبطة بالهوية والتراث.
غزلان لا تنظر إلى متابعيها كمجرد “مشتركين” داخل منصة رقمية، بل تعتبرهم شركاء حقيقيين في نفس الهمّ الثقافي. فالكثير منهم يرسلون لها اقتراحات وأفكارًا وتصحيحات ومعلومات، ما جعل القناة تتحول إلى فضاء جماعي للنقاش والتفاعل، أكثر من كونها مجرد منصة بث تقليدية.
وتؤكد أن ما تسميه “الغيرة الإيجابية” على التراث المغربي هو ما يمنح هذه التجربة قوتها الحقيقية، لأن المتابعين بالنسبة لها لا يتحركون بدافع الكراهية أو الصراع، بل بدافع الحب للهوية المغربية والرغبة في توضيح الحقائق المرتبطة بها.

ورغم أن تجربتها لم تكن سهلة، فإنها واصلت بنفس القناعة. فقد تعرضت، لمضايقات وتهديدات مباشرة بسبب بعض الفيديوهات التي نشرتها دفاعا عن التراث المغربي، ووصل الأمر إلى تلقي تهديد شخصي، دفعها إلى اللجوء للقضاء في بلجيكا، واتخاذ إجراءات احترازية لحماية نفسها وعائلتها.
لكن كل ذلك لم يدفعها إلى التراجع، بل جعلها أكثر اقتناعًا بأن الكلمة الصادقة قد تُزعج البعض، لكنها تظل ضرورية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الذاكرة الجماعية للشعوب.
ومن هنا، يبرز سؤال أكبر من مجرد قناة يوتيوب: هل تعرف بعض المؤسسات الرسمية أن هناك من يقوم اليوم بدور دبلوماسي وثقافي حقيقي من داخل المهجر، دون أموال عمومية، ودون حملات تواصل بملايين الدراهم؟
ففي الوقت الذي تُصرف فيه ميزانيات ضخمة على بعض المشاريع التواصلية التي تمر مرور الكرام، نجد أن صانعة محتوى بإمكانات متواضعة استطاعت أن تخلق نقاشًا واسعًا حول التراث المغربي، وأن تصل إلى جمهور كبير، فقط بفضل الصدق والعفوية والإيمان الحقيقي بالقضية التي تدافع عنها.
ولعل الرسالة الأهم في تجربة غزلان، أنها أعادت تعريف معنى “السفير” في العصر الرقمي. فالسفير الحقيقي، ليس دائمًا من يجلس داخل المكاتب الفخمة أو يتحدث بلغة الخشب في المناسبات الرسمية، بل قد يكون محللًا للأحداث وصانع رأي من قلب المهجر، يدافع عن البسطيلة والقفطان والطاجين بصدق أكبر من آلاف الخطابات الرسمية.
وفي زمن أصبح فيه كثيرون يلهثون فقط خلف “المونيتايز” ونسب المشاهدة والإعلانات، اختارت غزلان أن تبقى خارج هذا المنطق كله، مؤمنة أن الدفاع عن التراث المغربي لا يحتاج إلى “أدسنس”، بل إلى قلب يؤمن فعلًا بالمغرب، وإلى صوت يرفض أن تتحول الهوية إلى مجرد مادة عابرة داخل الفضاء الرقمي.
ولعل ما يبرر عودتنا مجددًا للحديث عن غزلان بنت المغرب، ليس فقط طبيعة المحتوى الذي تقدمه، بل ذلك الإصرار اللافت الذي تواصل به الدفاع عن التراث المغربي، رغم كل الضغوط والجدل والهجمات التي رافقت هذا المسار. فهذه المرأة المقيمة بالمهجر لم تتراجع، ولم تختر الصمت، رغم أن كثيرين كانوا يعتقدون أن التعب أو كثرة الاستفزازات سيدفعانها إلى الانسحاب بهدوء.
لكن غزلان تبدو مقتنعة أكثر من أي وقت مضى بأن معركة الوعي الرقمي، لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، خاصة في زمن أصبحت فيه بعض الجهات والقراصنة الرقميين يتعاملون مع تراث الغير، وكأنه مادة جاهزة لإعادة التقديم والتسويق، دون احترام للأصول التاريخية أو للذاكرة الجماعية للشعوب.
ومن هنا، تواصل غزلان الدفاع بأسلوبها الخاص، مرة بالسخرية الذكية، ومرة بالتوضيح الهادئ، ومرة بلغة حادة، عندما تشعر أن الأمر تجاوز حدود “الالتباس” إلى محاولات ممنهجة لخلق واقع موازٍ داخل الفضاء الرقمي. وهي بذلك لا تدافع فقط عن أطباق أو أزياء أو رموز تقليدية، بل عن جزء من الهوية المغربية، التي ترى أن التفريط فيها، ولو بالصمت، يفتح الباب أمام مزيد من التزييف والخلط.




