غزو الشنيولة للمحمدية بعد الأمطار… حين تتحول منطقة رامسار إلى مصنع لمصاصات الدماء!

ضربة قلم
لم يعد سكان المحمدية، ينتظرون الصيف كي يعلنوا حالة الاستنفار، فـ”الشنيولة” هذه السنة قررت أن تكسر القاعدة، وأن تخرج من سباتها باكرا، مستفيدة من الأمطار الأخيرة، التي أنعشت البرك الراكدة وأعادت الحياة إلى مصب وادي المالح… بكل ما يحمله ذلك من مفارقات بيئية وصحية.
أمطار الخير… حين تتحول إلى إنذار
في العادة، يرتبط اجتياح حشرات مصاصات الدماء بفصل الصيف، حيث الرطوبة والحرارة المرتفعة تشكلان بيئة مثالية لتكاثرها. غير أن التساقطات المطرية الأخيرة، أعادت تشكيل المشهد: مياه راكدة، قنوات غير مصانة، ومصب وادي المالح الذي تحول في بعض نقاطه إلى حاضنة طبيعية لليرقات. وهكذا، وجدت “الشنيولة” في الأمطار فرصة ذهبية للتكاثر المبكر، لتبدأ هجومها على أحياء المدينة، من وسطها إلى أطرافها، دون استثناء.
اللافت أن الانتشار لم يعد محصورا في مناطق بعينها، بل شمل تقريبا كل تراب المدينة، ما يعكس خللا بنيويا في تدبير المجال البيئي، خصوصا في محيط المنطقة الرطبة.
المنطقة الرطبة بالمحمدية… من ثروة طبيعية إلى هشاشة مقلقة
تعد المنطقة الرطبة بالمحمدية، المرتبطة أساسا بمصب وادي المالح، منظومة بيئية حيوية ذات قيمة إيكولوجية عالية. وقد تم تصنيفها ضمن لائحة “رامسار” العالمية سنة 2005، باعتبارها موقعا ذا أهمية دولية للطيور المائية والأنظمة البيئية الرطبة.
في زمن غير بعيد، كانت هذه المنطقة تمتد على حوالي 2000 هكتار، وتضم تنوعا بيولوجيا لافتا: نباتات ملحية، كائنات دقيقة، أسماك، وزواحف، إضافة إلى عشرات الأنواع من الطيور المهاجرة، التي تتخذ منها محطة استراحة ومرقدا موسميا.
غير أن الصورة اليوم مختلفة تماما. فالمنطقة تقلصت إلى أقل من 100 هكتار، بفعل التلوث الصناعي، والزحف العمراني، والضغط العقاري، وتراجع المراقبة البيئية. هذا الانكماش لم يؤثر فقط على الطيور، بل أخلّ أيضا بالتوازن الطبيعي الذي كان يضبط تكاثر بعض الحشرات عبر سلاسل غذائية متكاملة.
وهكذا، حين يختل التوازن البيئي، تظهر النتائج مباشرة… وأحيانا على شكل لسعات مؤلمة في ليالي المحمدية.
معضلة المكافحة… بين حماية الطيور وصحة السكان
المفارقة أن الجماعة الترابية للمحمدية، وقبل أزيد من ربع قرن، وجدت نفسها أمام معادلة معقدة: كيف يمكن مكافحة الحشرات دون الإضرار بالمنظومة البيئية المصنفة دوليا؟
لم يكن بالإمكان رش مبيدات قوية في محيط المنطقة الرطبة، لأن ذلك كان سيهدد الطيور النادرة والمهددة بالانقراض، التي تجد في المكان ملاذا آمنا. المبيدات الكيميائية لا تفرق بين يرقة بعوضة وطائر مهاجر؛ فهي تقتل بصمت وتخلف أثرا تراكميا خطيرا.
في تلك الفترة، طُرح حل بيولوجي بديل: استيراد نوع من الأسماك الصغيرة (يُعرف عالميا بقدرته على التغذي على يرقات البعوض في المياه الراكدة) من الصين، ونشره في مصب الوادي والمناطق المائية المجاورة. كان الهدف القضاء على الحشرات في مرحلتها الأولى، أي وهي لا تزال يرقات في الماء، دون اللجوء إلى مواد سامة.
غير أن المشروع بقي حبرا على ورق. لأسباب ترتبط بضعف المتابعة، أو تعقيدات إدارية، أو غياب رؤية بيئية متكاملة، لم يتم تنزيل هذا الاختيار على أرض الواقع. وهكذا، استمرت اليرقات في النمو، واستمرت الدورات البيولوجية للحشرات في التكرار، إلى أن وصلت الأمور اليوم إلى ما يشبه “هجوما موسميا مفتوحا” على السكان.
الشنيولة… عرض لمرض أعمق
انتشار مصاصات الدماء ليس مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل هو مؤشر على اختلال أكبر. فحين تتراجع المساحات الرطبة السليمة، وتتحول أجزاء منها إلى مياه راكدة ملوثة، تختفي الكائنات التي كانت توازن المنظومة (أسماك، حشرات مفترسة، طيور)، وتبقى الكائنات الأكثر قدرة على التكيف مع التلوث… وفي مقدمتها البعوض.
كما أن ضعف صيانة قنوات الصرف، وتراكم النفايات في بعض المجاري، يضاعف من عدد البؤر الصغيرة التي تتحول بسرعة إلى مختبرات مفتوحة لتكاثر الحشرات.
والنتيجة: مواطنون يعانون ليلا ونهارا، محلات تشتكي من تراجع الإقبال في بعض الفترات، وأسر تضطر إلى استعمال مبيدات منزلية قد تكون بدورها مضرة بالصحة.
إلى أين؟
المعادلة ليست مستحيلة. هناك تجارب ناجحة في مدن اعتمدت مقاربة بيئية متكاملة تقوم على:
-
المراقبة الدورية للبؤر المائية.
-
استعمال مبيدات بيولوجية غير مؤذية للطيور (مثل البكتيريا المخصصة لقتل اليرقات فقط).
-
إعادة تأهيل المنطقة الرطبة لاسترجاع توازنها الطبيعي.
-
تفعيل حلول بيولوجية كإدخال أنواع سمكية مفترسة لليرقات، وفق دراسات علمية دقيقة.
-
إشراك المجتمع المدني في حملات توعية وتنظيف.
المحمدية مدينة بحرية وصناعية وسياحية في الآن ذاته، ولا يليق بها أن تتحول كلما هطلت الأمطار، إلى ساحة معركة غير متكافئة بين الإنسان وحشرة.
الشنيولة ليست قدرا… بل نتيجة.
والنتائج، كما نعلم، تبدأ دائما من اختيارات لم تُستكمل، ومشاريع لم تُتابع، وملفات ظلت عالقة بين الرفوف.
ويبقى السؤال معلقا في سماء المدينة:
هل ننتظر صيفا أكثر شراسة، أم نعيد النظر في علاقتنا بالمنطقة الرطبة، قبل أن تختفي نهائيا… ومعها التوازن الذي كان يحمي الجميع؟




