الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

غفرنا لأننا نسمو، لا لأننا انكسرنا… لكن بعض القلوب أُخرجت من دفتر الرحمة بـمحضر كرامة!

م-ص

تعلّمنا من خلال تجاربنا المُرة، لا تلك التي مرّت كنسمة عابرة، بل التي حفرت في دواخلنا ملامح لا تُمحى، أن نمارس الصفح أولًا تجاه أنفسنا. أن نغفر لقلوبنا حين أحسنت الظن، لعقولنا حين سَهَت، لحدسنا حين لم يصب. تعلّمنا أن الحياة لا تُلقّننا دروسها دفعة واحدة، بل تبعثرها على شكل لحظات، ممزوجة بخيبات ومفارقات، نلتقطها أحيانًا بقلب يرتجف من تكرار التجربة. وما أقسى أن يكون الإنسان أكثر قسوة على نفسه من الحياة نفسها، يُرهقها بلوم غير مستحق. من هنا بدأ الصفح، لا لأننا عجزنا، بل لأن التقدّم بأرواح مثقلة بالندم لم يكن خيارًا ممكنًا.

لكن الصفح عن الذات لا يكتمل دون القدرة على التسامح مع الآخرين. سامحنا من أخطأ عن سهو، من خانته اللحظة، من جرفه انشغال أو غفلة. منحنا فرصًا صادقة للمصالحة، لأننا ندرك هشاشة الكمال البشري، ونعرف أننا بدورنا نحتاج من يغفر لنا حين نزلّ.

ومع ذلك، لا نؤدي دور القديسين في حفلات التزييف العاطفي. لا نُجيد استعراض التسامح المزيف، ولا نمدّ أيدينا لمن أخفاها خلف ظهره وهو يشحذ خنجره. لا ننافق باسم طيبة لا تُثمر سوى الوجع، ولا نمنح نسياننا هدية لمن تعمّد الغياب عن ضميره.

لا ننسى من اختار أن يؤذينا بكامل وعيه. من انحاز إلى النذالة لا اضطرارًا، بل اختيارًا. من استمد نشوته من عثراتنا، لا شفقة في قلبه ولا رُقيّ في دوافعه. لا نمنح التسامح لمن رأى في انطفائنا فرصة لتألقه، ولا نُبرّر تصرفاته بمفردات مثل “سوء التفاهم” حين تكون الحقيقة غير قابلة للتجميل. إقصاؤهم من مجال العفو لا مردّه قسوة، بل احترام عميق للكرامة.

من أحب بصدق، لا يطعَن. ومن أخطأ بصدق، يعتذر بلا كبرياء. أما من جرح لكي يشمت، فلا مكان له في مرافيء الوعي الناضج. التسامح ليس بوابة مفتوحة دون حراسة، ولا يُقاس بعدد المرات التي نُصفَع فيها ونبتسم. تسامحنا لأننا نُدرك المعنى، لكننا أيضًا تعلّمنا أن نحرس أرواحنا، أن نبني حول قلوبنا سياجًا من وعي، لا من جفاء.

نغفر لأن الغفران يُحررنا، لا لأننا نسينا. فالنسيان حين يُفرض على حساب الكرامة، يصبح خيانة ناعمة. لسنا أنبياء، ولسنا على يقين دائم، لكننا نحاول أن نكون أوفياء لأنفسنا في عالم يروّج لخبثٍ بواجهة أنيقة. لذلك اخترنا، بثقة وهدوء، أن من اختار الإيذاء بوعي لا يستحق العودة، ومن استرخص مشاعرنا لا يستحق وقتنا.

الصفح جميل حين لا يُنتزع منّا عنوة، حين لا يُفرض كثمن للبقاء. نحن لا نبحث عن البطولة في دور الطيبة الساذجة، بل عن السلام في النضج. غفرنا ما يُغتفر، وتجاوزنا ما يستحق التجاوز، واحتفظنا بمسافة آمنة من بعض القلوب، لا جفاءً، بل اتزانًا.

وبين الصفح والحذر، اخترنا الوضوح. أضأنا مصابيح الحكمة داخلنا، وأغلقنا بعض الأبواب لا ضغينةً، بل حمايةً لما تبقّى فينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.