الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

فاتح ماي في المغرب… حين يحتفل العمال بعيدهم، وتحتفل فئة أخرى بعيد الثروة

ضربة قلم

فاتح ماي يعود كل سنة، لا يتأخر، لا ينسى موعده، مثل ساعة اجتماعية، تذكر المغاربة بأن هناك طبقة تشتغل… وطبقة أخرى يبدو أنها تربح أكثر كلما اشتد تعب الأولى.

في الشوارع تُرفع الشعارات، وفي المنصات تُلقى الخطب، وفي البلاغات تُكرر كلمات من قبيل “الحوار الاجتماعي” و”تحسين الأوضاع”، لكن على الأرض، هناك مغرب آخر يتشكل بصمت صادم: فئة جديدة تصعد بسرعة مذهلة إلى عالم الثراء، تستثمر، تتوسع، تقتني، وتظهر عليها علامات النعمة الفاحشة… مقابل اتساع دائرة الفقر والهشاشة، واليأس لدى ملايين المواطنين، الذين صاروا يطاردون فقط أساسيات الحياة.

المفارقة لم تعد مجرد تفاوت اجتماعي عادي، بل مشهد يكاد يبدو كأن بلدًا واحدًا يحتضن عالمين منفصلين:
مغرب الأبراج الفاخرة والسيارات الفارهة والمشاريع الكبرى،
ومغرب الأسر التي تحسب ثمن الزيت، وتؤجل العلاج، وتخشى نهاية الشهر أكثر مما تخشى المستقبل.

في بلد يزخر بالبحرين، والفوسفاط، والفلاحة، والصيد البحري، والسياحة، والثروات الطبيعية، وحتى الحشيش، يحق للمواطن البسيط أن يسأل، لا بغضب فقط بل بدهشة أيضًا:
كيف يمكن لبلد بكل هذه الخيرات أن ينتج كل هذا الثراء… دون أن يوزع الحد الأدنى من الطمأنينة الاجتماعية على أبنائه؟

الأخطر أن المغاربة لم يعودوا فقط أمام فقر تقليدي، بل أمام إحساس متزايد بأنهم يعيشون داخل مفارقة قاسية: ثروة تتضخم في الأعلى، وضغط معيشة يسحق الأسفل، حتى صار البعض، يشعر وكأننا نعيش في قارة معزولة عن منطق العدالة الذي تتحدث عنه الأمم، رغم أننا فوق أرض غنية، بما يكفي لتضمن الكرامة لا الرفاه فقط.

فاتح ماي لم يعد فقط مناسبة للدفاع عن حقوق الشغيلة، بل صار لحظة لطرح سؤال أكبر:
من يستفيد فعلاً من خيرات هذا الوطن؟
هل هي فقط فئة تعرف من أين تؤكل الكتف الاقتصادي؟
أم أن العامل، الفلاح البسيط، الموظف الصغير، المتقاعد، والعاطل… لهم أيضًا نصيب حقيقي من وطن يطلب منهم الصبر أكثر مما يمنحهم الأمل؟

اليوم، يظهر في المغرب نوع جديد من الثراء السريع، تراه في المظاهر، في الصفقات، في الامتيازات، في شبكات المصالح… بينما يقابله نوع آخر من الفقر الصامت:
فقر الموظف الذي لم يعد راتبه يحميه،
فقر الشاب الذي يحمل شهادة ولا يحمل فرصة،
فقر الأب الذي يخجل من عجزه أمام مطالب أسرته،
وفقر المتقاعد الذي يتحول بعد عمر من العمل إلى رقم إداري ينتظر دوره.

المشكلة ليست في أن يصبح بعض المغاربة أثرياء… فالثروة ليست جريمة.
الجريمة الاجتماعية الحقيقية، هي أن تتسع المسافة إلى هذا الحد بين من يملكون كثيرًا ومن لا يجدون ما يكفي، في بلد يفترض أن خيراته قادرة على خلق توازن لا هذا الشرخ المخيف.

فاتح ماي، في عمقه الحقيقي، ليس مجرد عيد للعمال…
إنه إنذار سنوي، بأن الأوطان لا تُقاس فقط بحجم مشاريعها الكبرى، بل بقدرتها على حماية كرامة من يبنونها بصمت.

لذلك، يبقى السؤال معلقًا:
إلى متى سيظل المغرب بلد الخيرات الكبيرة… والانتظار الكبير أيضًا؟
وإلى متى سيشاهد المواطن ثروة وطنه تمر أمامه، دون أن يشعر أن له فيها نصيبًا يليق بإنسانيته؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.