سياسةالشأن المحلي

فاس… حين تتعثر الميزانية وتتكشف الأغلبية!

ضربة قلم

في مشهد سياسي لا يخلو من الكوميديا السوداء، أسقطت المعارضة بمجلس جماعة فاس مشروع ميزانية سنة 2026، تاركة القاعة تغلي كطنجرة ضغط فقدت غطاءها. جلسة استثنائية تحوّلت إلى مرآة عاكسة لتصدعات الأغلبية، التي بدت أكثر هشاشة من ميزانيتها، وأضعف من حججها.

ميزانية “الكيلو القليل”
المعارضة لم ترحم الوثيقة المالية، ووصفتها بأنها “أضعف ميزانية في تاريخ المجلس”،  ميزانية تشبه صحن طعام فارغ في مدينة تعاني من الجوع التنموي. فحين تملك فاس 79 مليار سنتيم فقط لتسيير سنة كاملة، في مقابل 122 مليار للرباط و147 لمراكش، يصبح السؤال المشروع: هل فاس أقل شأناً أم أن جيوبها أكثر ثقوباً؟

المعارضة اتهمت الأغلبية بـ “تفريط غير مسؤول” في تحصيل موارد الجماعة، وبتضييع فرص كان يمكن أن تملأ الخزينة بدل أن تُبقيها في حالة “حمية مالية قاسية”. الأغلبية، من جهتها، تمسكت بخطابها الكلاسيكي: “الظروف صعبة، لكننا نشتغل بصدق!”… عبارة تكررت حتى فقدت صدقيتها في نظر الشارع الفاسي الذي سئم من الوعود المطبوخة على نار سياسية هادئة.

الغياب الجماعي… كأن شيئاً لم يكن
الأكثر إثارة هو أن الأغلبية نفسها حضرت بأقل من نصف قوتها. فقط 12 عضواً ظهروا في القاعة، بينما اختفى الباقون في ظروف “غامضة”، بررت القيادة غيابهم بـ”التزامات طارئة”، وكأن تدبير ميزانية مدينة بحجم فاس أمر يمكن تأجيله مثل موعد عند الحلاق.
المعارضة وصفت المشهد بأنه “هروب جماعي من المسؤولية”، فيما تساءل بعض المتابعين إن كان الغياب مجرد صدفة أم بداية لتمرد داخلي صامت يهدد تماسك الأغلبية.

ومضة اتفاق… وسط العاصفة
وسط هذا المشهد الرمادي، ظهرت نقطة ضوء وحيدة: اتفاق نادر بين الأغلبية والمعارضة على تحويل ميزانية مخصصة لشركة حراسة خاصة نحو دعم التشغيل وتأهيل البنيات التحتية وتعزيز الإنارة العمومية. خطوة صفق لها الجميع، لأنها ببساطة المرة الأولى التي يختار فيها المجلس “العقل” بدل “الجدال”، ولو مؤقتاً.

فاس بين المطرقة والمجهول
الآن، الأنظار كلها تتجه نحو الدورة الاستثنائية المقبلة، حيث ستحاول الأغلبية “إنقاذ ماء الوجه” وتمرير الميزانية. لكن السؤال الكبير يظل قائماً: هل يمكن ترميم تصدعات أغلبية فقدت توازنها، أم أن فاس مقبلة على فيتو تدبيري سيجعلها تدفع الثمن مرتين، مرة من جيبها، ومرة من كرامة سكانها؟

في النهاية، تبدو فاس اليوم كمدينة تقف عند مفترق طرق: إما أن تتجاوز خلافات السياسيين وتعود إلى سكة التنمية، أو تظل رهينة حسابات صغيرة تستهلك طاقتها وتتركها، كما هي الآن، غارقة في ازدحام الكلام وغياب الفعل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.