فاس على صفيح ساخن: نائب وكيل عام في قلب فضيحة تخابر وتشهير تهز الثقة في العدالة

ضربة قلم
ما يجعل هذه الواقعة أكثر رمزية هو أنها حدثت في مدينة فاس، المدينة التي عُرفت تاريخيًا كمهد العلم والدين، لكنها باتت في العقدين الأخيرين عنوانًا لأحداث كبرى متصلة إما بالفساد أو بتصادم مراكز السلطة. ولنتذكر فقط:
-
تفكيك عدد من الشبكات القضائية المشبوهة في فترات متعاقبة؛
-
محاكمات شخصيات نافذة في سلك القضاء والإدارة؛
-
احتقان شبه دائم داخل الجسم الحقوقي والمحامي في المدينة؛
-
وأخيرًا، إعفاء الوالي معاذ الجامعي بعد واقعة نحر الأضحية في خرق غير مباشر للتوجه الملكي.
فهل نحن أمام إرهاصات مدينة متمردة على نفسها؟ أم أمام منطقة لا تزال الدولة تسعى لإعادة ضبط إيقاعها المؤسساتي؟
العدل تحت المجهر: هيبة القضاء في الميزان
ما يضاعف خطورة هذا الملف، أن الاتهامات لا تتعلق بقاضٍ عادي، بل بـنائب الوكيل العام، أي بشخص من صميم النيابة العامة، الذراع المنوط بها صيانة النظام العام، وملاحقة الجرائم، وتوفير الحماية القانونية للدولة والمجتمع.
اتهام هذا المسؤول بتسريب معلومات أو التواطؤ في حملات تحريضية عبر وسائل رقمية، يضرب في العمق مبدأ النزاهة والاستقلالية التي تقوم عليها هيبة السلطة القضائية. وهو ما يجعل من هذا التحقيق لحظة مفصلية في معركة المغرب لتخليق العدالة، لا فقط تطهير الإدارة القضائية من الفساد، بل حمايتها من الابتزاز الخارجي والاختراق السيبراني.
خلفيات وتحولات أعمق
هذه الواقعة تأتي أيضًا في سياق حساس إقليميًا ودوليًا، إذ أضحى موضوع “التحريض الرقمي” و”الهجمات السيبرانية على المؤسسات” أحد أهم تهديدات الأمن في العالم المعاصر. ولم تعد المعارك تُخاض فقط داخل قاعات المحاكم، بل في ساحات الإنترنت ومنصات التواصل التي قد تتحول، في غياب المراقبة، إلى أدوات تدمير رمزي ونفسي للثقة الجماعية.
ويُفهم من فتح هذا الملف أن هناك قرارًا من أعلى هرم الدولة بضرورة تنظيف الجسم القضائي من أي تواطؤ مع حملات تُدار من الخارج أو تُستغل فيها منصات رقمية لتهديد النظام العام أو ابتزاز الشخصيات العمومية.
ما المنتظر؟
ما زال التحقيق جاريًا، لكن المؤشرات تدل على أن الملف لن يُغلق بهدوء، خاصة إذا تبيّن أن المعني بالأمر لم يكن يعمل بشكل فردي، أو أن هناك شبكة أوسع تُنسّق داخليًا وخارجيًا لاستهداف رموز المؤسسات.
وقد تشهد الأيام المقبلة استدعاءات جديدة، وربما توقيفات احترازية، خاصة في حال وجود دلائل على تبادل المال أو استغلال مواقع النفوذ لتمرير المعلومات الحساسة.
الخلاصة: عندما يُصاب قلب العدالة بالخيانة
ما يجرح في هذه القصة، ليس فقط حجم التهمة، بل صاحبها: شخص من عمق جهاز العدالة، مُفترض فيه أن يكون عدوًا للتشهير، لا مصدرًا له؛ أن يكون حاجزًا أمام التخابر، لا طرفًا فيه؛ أن يداوي جراح الثقة المهترئة، لا يزيدها عمقًا.
وإذا كانت فاس قد شهدت سقوط رأس إداري كبير قبل أيام، ها هي الآن تواجه لحظة أخطر: هل تسقط الثقة في قاضيها البارز؟ وهل تتكرر هذه الحالات في مدن أخرى؟ أم أن هذه الحملة هي بداية فصل جديد من تخليق حقيقي وعميق للعدالة المغربية؟




