الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

فجأة… صار الجميع أوصياء على البراءة بعد سنوات من النوم فوق وسادة “البوز”

ضربة قلم

في المغرب، لا تحتاج بعض القضايا إلى أكثر من فيديو صادم، حتى تتحول فجأة إلى ساحة مكتظة بالأصوات المرتفعة والتعليقات الحماسية والبلاغات المتدفقة، وكأن الجميع كان في حالة صمت عميق قبل أن توقظه رائحة “الترند”. فحادثة الطفل الذي ظهر في مقطع مصور وهو يُناول الجعة وسط ضحكات المحيطين به، لم تكن مجرد لحظة عبث عابرة، بل مشهدًا مؤلمًا كشف إلى أي حد يمكن أن تنحدر بعض السلوكات حين يصبح “البوز” أهم من البراءة نفسها.

ومن الناحية الأخلاقية والإنسانية، لا يمكن لأي عاقل إلا أن يستنكر ما حدث، لأن تحويل طفل إلى أداة لجلب المشاهدات والتفاعل الرقمي سلوك خطير، يستوجب تدخلًا حازمًا من النيابة العامة، ليس فقط لمعاقبة المتورطين، بل أيضًا لإرسال رسالة واضحة مفادها أن الطفولة ليست مادة للفرجة، وأن اللعب بسلامة القاصرين النفسية والجسدية، ليس مجالًا للتساهل أو المزاح الثقيل.

وحين أثار أحد المحامين بهيئة الدار البيضاء القضية عبر شكاية رسمية، بدا الأمر طبيعيًا ومفهومًا، لأن الواقعة تستحق فعلًا تحريك المساطر القانونية وترتيب المسؤوليات. لكن ما إن اشتعلت مواقع التواصل بالقضية، حتى تحولت الساحة إلى ما يشبه سباقًا محمومًا في إظهار الغضب والاستعراض الأخلاقي، وكأن الجميع اكتشف فجأة أن الأطفال يحتاجون إلى حماية.

المفارقة أن بعض الأصوات التي دخلت على الخط، لم يكن همّها الحقيقي حماية الطفل بقدر ما كان الانخراط في موجة التفاعل الجماعي، لأن زمن المنصات الرقمية، خلق نوعًا غريبًا من السلوك، حيث يتحول أي حدث مؤلم إلى فرصة للظهور، وأي مأساة إلى مادة قابلة للاستهلاك السريع.

وفي خضم هذا الضجيج، جاءت مواقف أكثر اتزانًا، حين نبّهت إلى نقطة بالغة الأهمية، تتمثل في خطورة إعادة نشر الفيديو حتى بدافع الإدانة، لأن الضرر الذي يصيب الطفل لا يتوقف عند لحظة التصوير، بل يمتد عبر ما يسمى بالأثر الرقمي الذي قد يلاحقه مستقبلًا، خصوصًا عندما يتم تداول صوره وملامحه على نطاق واسع، دون أي اعتبار لحقه في الخصوصية والكرامة.

والحقيقة أن بعض من أعادوا نشر الفيديو بدعوى التنديد، ساهموا بشكل أو بآخر في توسيع دائرة الأذى النفسي الذي قد يطال الطفل لاحقًا، لأن حماية القاصر، لا تعني فقط المطالبة بالعقاب، بل أيضًا احترام حقه في ألا يتحول إلى “قصة متداولة” تلاحقه لسنوات.

اليوم، المطلوب ليس فقط توقيف من تورطوا في تصوير المشهد أو تشجيع الطفل على استهلاك الكحول، بل أيضًا إعادة طرح سؤال أخلاقي أكبر: إلى أين يقودنا هذا الجنون الرقمي الذي جعل البعض مستعدًا لفعل أي شيء، من أجل بضعة آلاف من المشاهدات؟

لقد أصبحت بعض المنصات تمنح إحساسًا زائفًا بالإفلات من العقاب، حتى صار البعض يتعامل مع الكاميرا، كأنها بطاقة عبور فوق القانون والأخلاق. غير أن الحقيقة تبقى واضحة: حين يتعلق الأمر ببراءة الأطفال، فلا مكان للتهاون، لأن المجتمعات التي تضحك على سقوط طفولتها، تستيقظ متأخرة على خسائر أكبر بكثير من مجرد فيديو عابر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.