الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

فرحة هدف التعادل تتحول إلى فاجعة.. وفاة مواطن بالمحمدية بعد هدف عيسى ديوب

ضربة قلم

في مدينة المحمدية، وبين جدران أحد المقاهي التي تحولت في تلك اللحظات إلى مدرج صغير، كان رجل بسيط يتابع المباراة كما يفعل آلاف المغاربة كل يوم. لم يكن وزيراً ولا رجل أعمال كبيراً، ولم يكن يبحث عن شهرة أو أضواء. كان مجرد مواطن بسيط، سائق سيارة أجرة، أنهكته متاعب الحياة وهموم المعيشة، وازدحام الطرقات وارتفاع تكاليف الحياة، لكنه كان يحتفظ في قلبه بمساحة صغيرة للفرح، اسمها كرة القدم.

جلس الرجل وسط أصدقائه، وعيناه معلقتان بالشاشة. كانت المباراة تسير بأعصاب مشدودة، وكل دقيقة تمر كانت تزيد من توتر الجالسين. ثم جاءت اللحظة التي انتظرها الجميع: هدف التعادل.

في جزء من الثانية، انفجرت الفرحة داخل المقهى. ارتفعت الصيحات، وتعالت الزغاريد، وقفز البعض من أماكنهم، واحتضن المشجعون بعضهم بعضاً. أما هو، فقد كانت فرحته أكبر من أن يحتويها قلبه.

سقط فجأة.

في البداية، ظن من حوله أنه أغمي عليه بسبب شدة الانفعال، لكن الحقيقة، كانت أكثر قسوة. لقد توقف القلب الذي ظل ينبض سنوات طويلة بحب الحياة، وبحب أسرته، وبحب كرة القدم.

رحل الرجل في لحظة فرح.

أي مفارقة هذه؟

أن تخرج من بيتك لمشاهدة مباراة، وأن تكون أقصى طموحاتك، أن يعود فريقك في النتيجة أو يسجل هدفاً يفرحك، ثم لا تعود إلى بيتك أبداً. أن تنتقل في ثوانٍ من الصراخ فرحاً، إلى صمت أبدي، لا يقطعه إلا بكاء المقربين.

كم يبدو هذا المشهد مؤلماً!

خلف هذا الخبر القصير، الذي اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، توجد حكاية إنسان كاملة. توجد أسرة تنتظر عودة أب أو زوج أو أخ. توجد مقاعد ستبقى فارغة، ووجوه ستفتقد ابتسامته، وأصدقاء كانوا يتقاسمون معه فناجين القهوة وأحاديث الكرة.

ربما استيقظ صباح ذلك اليوم كعادته، قاد سيارة الأجرة، تحدث مع زبائنه عن المباراة، وتبادل معهم التوقعات والآمال. ربما وعد أبناءه بأن يعود مبكراً، وربما قال لأحد أصدقائه: “اليوم غادي نفرحو”. لكنه لم يكن يعلم أن القدر، كان يخبئ له رحلة أخرى، رحلة بلا عودة.

إن مثل هذه الوقائع المؤلمة، تذكرنا بحقيقة كثيراً ما ننساها: كرة القدم جميلة، لكنها تبقى مجرد لعبة. هدف يسجل أو يضيع، مباراة تربح أو تخسر، بطولة تأتي وأخرى ترحل. أما الإنسان فلا يعوض، والحياة لا تعوض.

الطب يؤكد أن الانفعالات الشديدة، سواء كانت حزناً أو فرحاً، يمكن أن تؤدي لدى بعض الأشخاص، خصوصاً من يعانون من أمراض القلب أو ارتفاع الضغط أو مشاكل صحية غير مشخصة، إلى اضطرابات خطيرة، في نبض القلب قد تصل، في حالات نادرة، إلى الوفاة المفاجئة.

ولهذا، فإن هذه المأساة ينبغي أن تكون أيضاً رسالة توعية. كم من شخص يعيش بيننا وهو يحمل مرضاً لا يعلم به؟ وكم من شخص يؤجل زيارة الطبيب بحجة الانشغال أو ضيق الوقت؟ وكم من شخص، يستهين بالإرهاق أو بآلام الصدر أو بضيق التنفس؟

لقد رحل هذا المواطن البسيط، وهو يعيش لحظة فرح خالصة، وكأن القدر أراد أن يختتم قصته بابتسامة أخيرة. لكن حزنه، لم يكن على فريق خسر أو فاز، بل على قلوب أفراد أسرته وأصدقائه وكل من كانوا يحبونه، الذين فوجئوا بخبر وفاته.

اليوم، لا أحد يتذكر نتيجة المباراة، بقدر ما يتذكر الرجل الذي فارق الحياة وهو يحتفل. فالهدف الذي أشعل المقهى فرحاً، تحول بعد دقائق إلى ذكرى حزينة، وإلى درس إنساني عميق، مفاده أن الحياة أقصر وأضعف مما نظن.

رحم الله هذا المواطن، السائق الذي أنهكته متاعب الحياة ووجد في كرة القدم متنفساً وسعادة عابرة، قبل أن تتحول تلك السعادة إلى لحظة وداع أخيرة.

رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وذويه الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

تنبيه: الصورة تعبيرية فقط ولا علاقة لها بالفقيد أو بملابسات الواقعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.