فرق الأحياء بالمحمدية… “درب مكناس” نموذجًا لذاكرة كروية صنعت نجوم الزمن الجميل

ضربة قلم
كان الزمن مختلفًا…
زمنٌ لم تكن فيه أكاديميات فاخرة، ولا أحذية رياضية، يتجاوز ثمنها راتب موظف بسيط، ولا وكلاء لاعبين يتحدثون عن “المشروع الرياضي” و”التسويق الشخصي” و”البراندينغ”.
كانت هناك فقط:
كرة جلدية أحيانًا… ومطاطية أحيانًا أخرى،
زنقة ضيقة،
أطفال حفاة،
وشغف لا يشتريه المال.
في المحمدية، أو “فضالة” كما يحب كثيرون تسميتها بحنين عجيب، كانت فرق الأحياء بمثابة مدارس حقيقية لتفريخ المواهب، بل كانت أكبر من مجرد فرق لكرة القدم… كانت عائلات، ومجالس تربية، وفضاءات للرجولة والاحترام والتنافس الشريف.
ومن بين الأحياء التي صنعت لنفسها مجدًا كرويًا خاصًا، يبرز اسم درب مكناس، ذلك الحي الشعبي، الذي لم يكن يملك ملاعب معشوشبة ولا مستشهرين كبارًا، لكنه كان يملك شيئًا أهم:
الروح.
درب مكناس… حين كانت الكرة تُلعب بالقلب
في سبعينات القرن الماضي، كان درب مكناس أشبه بخزان بشري لكرة القدم.
كل زنقة هناك كانت تُنجب لاعبًا، وكل “درب” كان يضم حارسًا يعتقد أنه خليفة ليف ياشين، ومهاجمًا يرى نفسه بيليه القادم من المحمدية، ومدافعًا لا يمر منه أحد إلا بعد “التفاهم الإداري” معه!
لكن وسط تلك الأجواء الشعبية الجميلة، برزت أسماء ظلت محفورة في ذاكرة أبناء المدينة، أسماء لم تكن تحتاج إلى صفحات فايسبوك ولا فيديوهات “الهايلايت”، لأن الناس كانت تحفظ مهاراتهم عن ظهر قلب.
الطاهر بلكحل… اللاعب الذي كان يسبق الكرة بفكره
حين يُذكر اسم الطاهر بلكحل، يعود الحنين دفعة واحدة.
كان من اللاعبين الذين يفهمون الكرة قبل أن تصل إليهم.
هادئًا، متزنًا، يتحرك بذكاء، وكأنه يقرأ المباراة قبل وقوعها.
لم يكن من اللاعبين الذين يكثرون من الاستعراض، بل من أولئك الذين يجعلون الكرة تتحدث وحدها.
وكان أبناء الحي يرددون دائمًا أن الطاهر بلكحل “عندو العين”، أي تلك القدرة الغريبة على رؤية المساحات، وتمرير الكرة في التوقيت المناسب.
في زمن كانت الملاعب ترابية، وكانت الركبتان تعودان إلى البيت محملتين بالغبار والجروح، كان اللاعب الحقيقي يُعرف من أول لمسة، والطاهر بلكحل كان من تلك الفئة النادرة.
محمد برني… لكن الجميع كان يقول: “بيبو جا!”
أما محمد برني، فقلّة من أبناء المحمدية كانوا ينادونه باسمه الحقيقي.
الجميع كان يعرفه باسم “بيبو”، والاسم وحده، كان كافيًا لإشعال الحماس في مباريات الأحياء.
بيبو لم يكن لاعبًا عاديا.
كان من أولئك اللاعبين الذين يجلبون الجمهور حتى في المباريات الودية.
الناس كانت تأتي لتشاهده يراوغ، يركض، يضحك، ويصنع الفرجة بطريقته الخاصة.
في ذلك الزمن، لم يكن اللاعب يحتاج إلى مصفف شعر خاص، ولا إلى التقاط خمسين صورة قبل المباراة.
كان يكفي أن يلمس الكرة حتى يصفق الحي كله.
وكان بيبو واحدًا من أبناء تلك المدرسة الشعبية التي تؤمن بأن الكرة متعة، قبل أي شيء آخر.
النيكة مصطفى… اسم ظل يتردد في المقاهي والزنقات
هناك أسماء لا تحتاج إلى أرشيف رسمي كي تبقى حيّة.
يكفي أن تُذكر في جلسة بين أبناء المحمدية القدامى حتى تبدأ الحكايات.
النيكة مصطفى كان واحدًا من هؤلاء.
لاعبًا قوي الحضور، يحمل شخصية خاصة داخل الملعب، من اللاعبين الذين لا يختبئون أثناء المباريات الصعبة.
كان جيل السبعينات يلعب الكرة بعقلية مختلفة:
لا خوف، لا حسابات معقدة، لا عقود احترافية… فقط حب القميص وحب الحي.
ولذلك بقيت أسماء كثيرة خالدة رغم مرور السنوات، لأن الناس كانت ترى فيها أبناءها الحقيقيين، لا مجرد لاعبين عابرين.
“بين” و”بخالو”… أسماء صنعت ذاكرة كاملة
ومن يستطيع أن ينسى البين مصطفى بين الطيان، المعروف اختصارًا بـ”بين”، أو ابراهيم الطيان الملقب بـ”بخالو”؟
تلك الألقاب الشعبية وحدها تختصر روح تلك المرحلة.
في المحمدية القديمة، كان اللقب أحيانًا أشهر من الاسم الحقيقي، وكان يحمل قصة أو موقفًا أو طرافةً، يعرفها أبناء الحي وحدهم.
“بين” و”بخالو” لم يكونا مجرد لاعبين، بل جزءًا من ذاكرة جماعية جميلة، حين كانت المباريات تتحول إلى أعراس شعبية صغيرة، وحين كان الأطفال يتبعون اللاعبين في الأزقة، كما لو كانوا نجومًا عالميين.
شباب المحمدية واتحاد المحمدية… حين كانت الأحياء هي المدرسة الحقيقية
اليوم، يتحدث كثيرون عن التكوين، وعن مراكز التدريب، وعن الاستثمار الرياضي، لكن الحقيقة التي يعرفها أبناء الزمن الجميل هي أن فرق الأحياء كانت الجامعة الحقيقية لكرة القدم.
شباب المحمدية واتحاد المحمدية لم يسقطا من السماء، بل تغذّيا لسنوات طويلة من تلك الأزقة الشعبية التي كانت تلد المواهب بلا توقف.
كان اللاعب يبدأ في “ماتشات الدرب”، ثم ينتقل إلى فريق الحي، وبعدها تبدأ الأعين تراقبه.
ولأن المحمدية كانت مدينة عاشقة للكرة، فقد كانت المنافسة شرسة، لكن جميلة.
المدربون كانوا يجوبون الأحياء بحثًا عن “ولد فيه النفس”، لا عن لاعب يملك حسابًا أنيقًا على إنستغرام.
الكرة كانت أخلاقًا أيضًا
الجميل في تلك المرحلة أن الكرة لم تكن مجرد نتائج.
كانت أخلاقًا وعلاقات إنسانية.
بعد نهاية المباراة، قد يتعارك اللاعبون داخل الملعب، لكنهم يجلسون بعد ذلك في المقهى نفسه، يشربون “أتاي” ويتبادلون الضحك.
لم تكن هناك تلك السموم المنتشرة اليوم في بعض الملاعب ومواقع التواصل.
الحي كان يربي أبناءه جماعيًا، واللاعب كان يعرف أن أي تصرف غير محترم، سيصل خبره إلى والده، قبل أن يعود إلى البيت!
أين اختفت فرق الأحياء؟
السؤال الذي يطرحه كثير من أبناء المحمدية اليوم بحرقة حقيقية:
أين ذهبت تلك الفرق؟
أين اختفى ذلك الحماس؟
أين تلك الدوريات الرمضانية التي كانت تشعل المدينة؟
أين الأطفال الذين كانوا يحولون أي قطعة أرض إلى ملعب؟
للأسف، تغيرت أشياء كثيرة.
زحف الإسمنت على المساحات الفارغة، واختنقت الأحياء، وأصبح الهاتف الذكي منافسًا شرسًا لكرة القدم الشعبية.
ثم جاءت عقلية “الاحتراف السريع”، فأصبح بعض الآباء يحلمون بابن يوقّع عقدًا، قبل أن يتعلم حتى كيف يمرر الكرة!
لكن رغم كل ذلك، يبقى الحنين أقوى من النسيان.
المحمدية لا تنسى أبناءها
المدن العظيمة ليست فقط بناطحات السحاب والمشاريع الكبرى، بل بذاكرتها الإنسانية.
والمحمدية، مهما تغيرت، ستظل مدينة تحفظ أسماء رجالها البسطاء، أولئك الذين لعبوا الكرة من أجل المتعة والحب والانتماء.
قد لا نجد صورًا كثيرة للطاهر بلكحل أو بيبو أو النيكة مصطفى أو “بين” أو “بخالو”، لكن صورهم الحقيقية ما زالت معلقة في ذاكرة الناس.
في المقاهي القديمة…
في أحاديث المتقاعدين…
في ضحكات أبناء الحي، وهم يستعيدون مباريات مضى عليها نصف قرن وكأنها جرت أمس.
ذلك الجيل لم يكن يبحث عن الشهرة…
لكنه صنع مجدًا حقيقيًا للمحمدية، مجدًا لا يُقاس بالكؤوس فقط، بل بالمحبة التي تركها في القلوب.
وربما لهذا السبب بالضبط…
كلما ذُكرت فرق الأحياء في المحمدية، يشعر الناس بشيء يشبه الدفء الداخلي، كأن المدينة نفسها تبتسم بحنين وتقول:
“هنا مرّ رجال لعبوا الكرة بصدق…”




