الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

فرنسا التي عرفناها عبر المذياع.. حين كان الحب أجمل من السياسة

م-ص

حين كنا صغارا، لم نكن نفهم كثيرا في السياسة، ولا في تاريخ الاستعمار، ولا في صراعات الأمم والشعوب. كنا أطفالا نعيش زمن البراءة، نلتقط من الحياة ما هو جميل، ونترك للكبار مهمة تفسير العالم بكل تعقيداته. ولهذا كنا نستمع إلى الأغنية الفرنسية بشغف غريب، دون أن نسأل أنفسنا من كتبها، ولا من أنتجها، ولا أي دولة تقف خلفها.

كان المذياع آنذاك نافذتنا الصغيرة على عالم واسع. لم تكن هناك هواتف ذكية، ولا منصات رقمية، ولا آلاف القنوات التي تتصارع على انتباهنا. كان هناك جهاز راديو بسيط، يتوسط البيت أحيانا، أو يرافق الأب في الحقل أو المقهى أو السيارة، ومنه كانت تتسلل إلينا أصوات قادمة من الضفة الأخرى للمتوسط.

أصوات دافئة، حالمة، مفعمة بالإحساس.

كانت الأغنية الفرنسية في سبعينيات القرن الماضي تحمل شيئا مختلفا. لم تكن قائمة على الضجيج، ولا على الإثارة الرخيصة، ولا على استعراض العضلات الصوتية أو الجسدية. كانت أغنية تحكي قصة، وتروي حكاية، وتخاطب القلب قبل الأذن.

كانت كلماتها تتحدث عن الحب الذي لا يباع ولا يشترى، عن الوفاء، عن الشوق، عن الفراق، وعن الأحلام الصغيرة التي تمنح للحياة معناها الحقيقي.

ولعل أجمل ما ميز تلك المرحلة أن الفنان لم يكن يحتاج إلى فضيحة حتى ينجح، ولم يكن يحتاج إلى استعراض حياته الخاصة حتى يملأ القاعات. كان يكفي أن يمتلك صوتا جميلا وكلمات صادقة ولحنا يحترم ذكاء المستمع.

كان المستمع بدوره أكثر هدوءا وأكثر صبرا. يجلس ليستمع إلى الأغنية كاملة، يعيش تفاصيلها، ويحفظ كلماتها، بل وربما يرددها في كثير من اللحظات.

لقد كانت الأغنية الفرنسية بالنسبة إلى جيل كامل مدرسة غير معلنة في الرومانسية والذوق الرفيع. وحتى أولئك الذين لم يدرسوا اللغة الفرنسية كانوا يشعرون بأن الموسيقى نفسها تحمل رسالة إنسانية تتجاوز الكلمات.

قد يختلف الناس اليوم حول فرنسا في السياسة أو الاقتصاد أو التاريخ أو الحاضر، وقد تتعدد القراءات والانتقادات والمواقف، لكن هناك أمرين يصعب إنكارهما مهما اختلفت الآراء.

الأول هو الإرث الموسيقي الفرنسي الذي منح العالم عشرات الأغاني الخالدة، التي ما زالت تعيش إلى اليوم رغم مرور العقود.

والثاني هو فن الحلويات الذي تحول عند الفرنسيين إلى ثقافة قائمة بذاتها.

فإذا كانت الأغنية الفرنسية تخاطب الروح، فإن الحلويات الفرنسية تخاطب الحواس كلها دفعة واحدة.

من الكرواسون الذي يفوح عطرا في الصباح الباكر، إلى الإكلير والتارت ومئات الأنواع الأخرى، التي تحولت إلى علامات عالمية، استطاع الفرنسيون أن يجعلوا من الحلويات فنا قائما بذاته، يقترب أحيانا من اللوحات التشكيلية، أكثر مما يقترب من المطبخ التقليدي.

ولعل السر لا يكمن فقط في جودة المكونات، بل في ذلك الهوس الفرنسي بالتفاصيل الصغيرة.

فكما يعتني الملحن بالنوتة الموسيقية الأخيرة، يعتني صانع الحلويات باللمسة الأخيرة فوق قطعة الحلوى.

وكما يحرص الشاعر على اختيار الكلمة المناسبة، يحرص الطاهي على اختيار النكهة المناسبة.

الأمر في النهاية يتعلق بالبحث الدائم عن الجمال.

ولذلك، ربما ارتبطت فرنسا في ذاكرة أجيال كاملة بأشياء تتجاوز السياسة والحدود والجغرافيا.

ارتبطت بصوت يخرج من مذياع قديم في ليلة هادئة.

وبرائحة كرواسون ساخن، يخرج من فرن صغير في صباح شتوي بارد.

وبأغانٍ كانت تعلمنا، دون أن نشعر، أن الحب الحقيقي لا يباع ولا يشترى، وأن أجمل الأشياء في الحياة هي تلك التي لا يمكن قياسها بالمال.

لقد تغير العالم كثيرا منذ تلك السنوات.

تغيرت الموسيقى.

وتغيرت وسائل الاستماع.

وتغيرت الأذواق.

لكن بعض الذكريات ترفض أن تشيخ.

فما زالت هناك أغانٍ فرنسية قديمة، قادرة على إعادة إنسان تجاوز الستين أو السبعين، إلى أيام طفولته وشبابه في ثوان معدودة.

وما زالت هناك قطعة حلوى فرنسية واحدة، قادرة على استدعاء عشرات الذكريات التي ظن صاحبها، أنها ضاعت إلى الأبد.

وهكذا تبقى فرنسا، بالنسبة إلى كثيرين من أبناء ذلك الجيل، ليست فقط بلدا أو دولة أو تاريخا معقدا، بل جزءا من ذاكرة سمعية وذوقية وإنسانية جميلة، اختلطت فيها الأغنية بالمشاعر، واختلط فيها السكر بالحنين، واختلطت فيها الموسيقى بسنوات لن تعود أبدا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.