
ضربة قلم
تفجّرت قضية نارية في أروقة الحكومة المغربية، بعد أن تسربت معلومات حول كلفة وجبة الفطور التي تتناولها نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية. الحد الأدنى للدهشة؟ الفاتورة اليومية وصلت إلى 2500 درهم، في حين أن الحد الأدنى للأجور بالكاد يلامس 3200 درهم!
ونودّ من جهتنا أن نعبّر -بكل روح المواطنة- عن قلقنا البالغ على الميزانية العامة، ليس لأننا نحسد السيدة الوزيرة على ذوقها الرفيع في المأكولات، بل لأننا نخشى أن تتحول الخزينة إلى مطبخ مفتوح على حساب الشعب!
فكيف لوزيرة الاقتصاد أن تتحدث عن التقشف وخفض النفقات، وهي تفطر بثمن يمكن أن يغذي حيًّا شعبياً ليوم كامل؟
أم أن السياسات المالية تبدأ فعلاً من المائدة، حيث تُضبط الأرقام بين رشفة قهوة “كولومبية” وقطعة كرواصة مطلية بالذهب؟
إنها مفارقة مغربية خالصة: المواطن يُنصح كل يوم بشعار “شدّ الحزام”، بينما الوزيرة تبدو منشغلة بتوسيع المائدة. المواطن يحتسب دراهمه قبل أن يشتري الخبز، والوزيرة تحتسب نفقات الزبدة المستوردة من جبال الألب السويسرية!
ولنفترض حسن النية، ربما لا يتعلق الأمر بالترف الشخصي، بل بتجربة اقتصادية ميدانية: فطور بـ2500 درهم لتختبر بنفسها “مستوى الأسعار” وتدرس تأثير الغلاء على القدرة الشرائية… لكن فقط من مقعد الجلد الفاخر في قاعة الاجتماعات.
ويا للعجب! الوزيرة نفسها التي تطلب من المواطنين الصبر والتضحية من أجل التوازن المالي، تتناول فطورًا يكفي لتمويل حملة تحسيسية عن الفقر. أليس من الأجدر أن تُدرج هذه الوجبة في خانة “نفقات البحث العلمي”، لأنها فعلاً تفتح شهية البحث في سؤال بسيط: كيف يمكن لمغربية أن تبتسم وهي تدفع الضريبة، بينما فطور الوزيرة يُخصم من عرقها اليومي؟
لنعد إلى المنطق الإداري البارد: أي نفقات تندرج تحت “وجبة بـ2500 درهم يوميًا”؟ هل هي لائحة تضم العصير الفاخر، والبيض البلدي من دجاج حاصل على تأمين صحي؟ أم أن الأمر يتعلق بمذاق رمزي عنوانه “أنا الدولة والدولة أنا”؟
القانون المغربي في فصوله المتعلقة بتدبير المال العام واضح، لكن يبدو أنه يُعلَّق مؤقتًا على باب المطبخ الوزاري. فحين تتناول الوزيرة فطورها، يتحول المال العام إلى مجرد “مصاريف تمثيلية”، وكأن الزبدة التي تذوب على مائدتها تمثل الشعب بأكمله أمام منظمة التعاون الاقتصادي!
نود من جهتنا أن نطمئن الوزيرة: لا أحد يريد حرمانها من فطورها، فقط نطالب بـ”عدالة غذائية”، تُمكِّن كل مواطن من فطور كريم ولو بقطعة خبز محترمة. فإذا كان فطورها يكلف 2500 درهم، فربما آن الأوان لوزارة الاقتصاد أن تُحدث صندوق دعم للفطور الشعبي، كي لا يبقى المواطن يكتفي برائحة الخبز دون المربى.
وحتى لا نُتَّهم بالمبالغة، دعونا نحسبها حسابياً:
إذا كانت الوزيرة تفطر بـ2500 درهم يوميًا، فهذا يعني أن فطورها السنوي يُكلّف حوالي 912.500 درهم ( أي مائة مليون سنتيم تقريبًا)…
ويا ليت الفطور فقط! فالغداء والعشاء ربما يُسجَّلان تحت بند “الاجتماعات الرسمية”، والقهوة تحت “تحفيز الإنتاجية”. هكذا تصير الحياة الحكومية سلسلة من الفواتير المبررة… بعقلانية بيروقراطية مثيرة للشهية!
أما المواطن البسيط، فهو يعيش على فطور “قهوة حارة وقطعة خبز”، يقرأ في الجريدة خبراً عن فطور الوزيرة فيبتسم بمرارة ويقول:
“على الأقل شي حد عايش من ضرائبنا بارتياح!”
إنها قصة اقتصاد مغربي على نكهة الزبدة الأوروبية: فيه كل شيء محسوب بالأرقام إلا الكرامة.
فيا سيدتي الوزيرة، لا حاجة بعد اليوم لتقارير عن القدرة الشرائية، فكل فطور من فطوركم كفيل بتلخيص المشهد الاقتصادي كله: القلة تأكل، والكثرة تدفع.




