الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

فقراء ولكن مزعجون : يوميات مواطن يُدهس بسياسات عليا

ضربة قلم

نتساءل بحسن النية، رغم أن النية الحسنة لم تعد عملة مقبولة في زمن ارتفاع الأسعار، عن هوية هؤلاء الساديين الذين لا يرتاح لهم بال إلا إذا شاهدوا المواطن يتقلب تحت وطأة الغلاء، كما تتقلب البيضة في مقلاة زيت مغشوش.

هؤلاء ليسوا أشباحا، ولا شياطينَ من فصيلة إبليس. لا، هم بشر مثلنا، يلبسون بدلات أنيقة، ويجلسون على كراسي جلدية تدور، ويمسكون أقلامًا ذهبية تكتب بلغة خشبية، ولديهم قدرة خارقة على تفسير كل شيء… إلا كيف يعيش المواطن براتب لا يكفي حتى لشراء علبة دواء أو كيلو عدس محترم.

  1. عباقرة “تحسين المؤشرات”

إنهم عباقرة، نعم عباقرة! لكن في ماذا؟ في تحويل تقارير المؤسسات النقدية الدولية إلى نصوص مقدسة، لا نقاش فيها ولا اجتهاد. يقول لهم صندوق النقد: “ارفعوا الدعم”، فيردّون: “سمعًا وطاعة”. يقول البنك الدولي: “خصخصوا”، فيردون: “أبشروا… وسنزيد قليلًا من الضرائب حتى نُبهركم!”. ثم يُطلّ علينا أحدهم في نشرة الأخبار، بابتسامة من شقين، ويخبرنا أن هذه الإجراءات “مؤلمة لكنها ضرورية”… كأننا في غرفة عمليات بلا تخدير.

  1. الكائن الغريب: المواطن المغربي

المواطن بالنسبة لهؤلاء هو كائن غريب، لا يمرض إلا من أجل إثقال كاهل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا يطالب إلا لأنه “مدلل” تعوّد على الدعم كمن تعوّد على المصّاصة في الطفولة. إنهم ينسون أو يتناسون أن هذا المواطن لا يعيش، بل ينجو. يستيقظ كل صباح ليقارن بين لائحة الأسعار ولائحة الأدوية، ثم يقرر: “اليوم نأكل ولا نتداوى، غدًا نغيّر الخطة حسب الميزانية الجوية.”

هل يعلمون أن دواء ضغط الدم مثلًا يمكن أن يكلف أكثر من 400 درهم؟ والحد الأدنى للأجور لا يتجاوز 3200 درهم؟ لا يهم. المهم أن المؤشرات الاقتصادية تتحسن، حتى لو كانت مؤشرات الضغط والسكري عند المواطن تنفجر.

  1. تسعيرة “الشفقة”: غير متوفرة

الشفقة؟ هذه الكلمة تم حذفها من المعجم الإداري منذ زمن. الفقراء؟ هؤلاء مزعجون! يشكلون طوابير أمام المستشفيات، ويملأون صفحات الجرائد بالقصص المأساوية، ويعكّرون صفو المؤتمرات الصحفية بعبارة: “شنو درتوا لينا؟”

هناك من في دواوين القرار يعتقد حقًا أن الفقر اختيار، وأن المواطن يمكنه الخروج من الفقر بمجرد أن “يغير العقليات”، أو “يطور مهاراته في التكيف”. كأننا في برنامج “ماستر شيف” نختار بين “مرق العدس” و”كومبو الكامون والخبز البايت”.

  1. الفقراء ضد المصلحة الوطنية؟

يبدو أن بعض المسؤولين يعتبرون الفقراء أعداءً للتنمية، ومثيري شغب اقتصادي. يُطلب منهم الصبر، ثم المزيد من الصبر، ثم قليلاً من “التفهم”. وعندما يحتجون، يتم وصفهم بأنهم “غير واعين بالتحديات الاقتصادية”، وكأن الوعي الاقتصادي لا يكتمل إلا بقراءة تقارير البنك الدولي على الفطور.

أما إن نزلت بعض الفئات للشارع، تُتهم بأنها “تُحرك من الخارج”، مع أن الخارج نفسه لا يريد أن يسمع عنهم، ويكتفي ببعث الرسائل إلى حكومتنا الموقرة ليطلب منها “مزيدًا من الإصلاحات”، و”رفعًا تدريجيًا للدعم”، و”تحرير الأسعار”، أي بعبارة أوضح: زيدوهم طحنًا، فالعجين لم يُخمّر بعد.

  1. المواطن الرزين: خارق في الصبر

رغم كل هذا، المواطن لا يزال صامدًا، أو على الأرجح، مصعوقًا. لا يثور، لا يكسر، فقط يلعن، ثم يضحك، ثم يبحث عن حل بديل. هل نقطع العلاج؟ هل نستغني عن وجبة؟ هل نقتني دواء العطس بدل دواء القلب؟ إنه نوع من الرياضيات الجديدة: كيف تصنع حياة بميزانية ميتة؟

  1. مشاهد من فيلم “الغد الأفضل”
  • لقطة أولى: أم مسنّة تقف في الصيدلية، تسأل الصيدلي إن كان يمكن تقسيط دواء السكري.
  • لقطة ثانية: أستاذ في قرية جبلية، يدفع من جيبه ثمن الحافلة ليلتحق بعمله في وحدة مدرسية بلا سقف.
  • لقطة ثالثة: موظف بسيط يتلقى راتبه، فيهرول به إلى السوق فيجد أن الخضر أصبحت سلعة فاخرة، فيكتفي بطماطم مصابة بداء غريب، تُباع تحت عنوان “عرض خاص: نصف ناضجة، بنصف ثمن… ونصف ضمير.”

في الختام

أيها السادة أصحاب القرار، هل جربتم يوما أن تعيشوا بشهرية موظف بسيط؟ هل زرتم حيًا شعبيًا دون وفد أو كاميرات؟ هل جربتم أن تقرأوا ورقة وصفة طبية من مركز صحي دون أن تشعروا بالذنب؟

لا نطلب المعجزات. نطلب فقط أن تعود الرحمة إلى دواليب الدولة، وألا تتحول القدرة الشرائية إلى قدرة تخيلية، وألا يكون الفقير مجرد رقم يُحسب في ميزانيات الدعم، بل إنسان له حق في الصحة، والغذاء، والعيش الكريم… وحتى في قليل من الشفقة.

أما أنتم، يا عباقرة الأرقام، يا شغوفين بالمؤشرات، تذكّروا: الأسعار ترتفع… لكن صبر المواطن ينخفض. وإذا اجتمعا، فانتظروا العاصفة… لا تقرير البنك الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.