فندق أفانتي… حين يتحوّل دفتر التحملات إلى ورق صامت، ويتحوّل العمال إلى ضحايا سرعة قياسية في الطرد

ضربة قلم
في زاوية مظلمة من مشهد التشغيل بالمغرب، يطفو ملف فندق أفانتي ليعيد طرح السؤال الذي نعرف جوابه مسبقًا:
كيف يمكن لمؤسسة سياحية بحجم اقتصادي واجتماعي كبير، أن تنتقل من يد إلى يد، أو من إدارة إلى أخرى، دون أن يتغيّر شيء… سوى مصير العمال؟
منذ أن انتقلت إدارة الفندق إلى المشغل الجديد عقب عملية التصفية القضائية، كان من المفترض – وفق دفتر التحملات، وفق القانون، وفق المنطق، وفق أبسط قواعد الأخلاق – أن يتم الحفاظ على مناصب الشغل والحقوق والمكتسبات.
لكنّ ما حدث يشبه سيناريو فيلم أكشن رديء:
قبل أن يجفّ حبر الاتفاق، كانت الإدارة الجديدة قد باشرت عملية الطرد الأكبر والأسرع، بسرعة تجعلها مرشّحة بقوة لدخول كتاب غينيس:
أسرع عملية التخلص من العمال في تاريخ القطاع الفندقي.
دفتر التحملات… حين يصبح مجرد شكل قانوني
قبل البيع، كانت وعود ساطعة:
-
الحفاظ على مناصب الشغل
-
احترام الأقدمية
-
ضمان الحقوق المكتسبة
-
مواصلة العمل بنفس الهيكلة الاجتماعية
-
عدم المس بالحقوق الاجتماعية
لكن فور أن وضعت الإدارة الجديدة يدها على الفندق، تغيّر المشهد كليًا.
الدفتر الذي كان من المفترض أن يكون “قرآنًا للتسيير”… أصبح مجرد ورقة تزيينية تُرفَع في الاجتماعات، ولا يُحترم منها حرف.
تمامًا كما يحدث في مشاريع كثيرة: الحبر مقدّس قبل البيع، ويتبخر بمجرد توقيع العقود.
طرد بسرعة قياسية: من يمكنه منافسة هذا “الإنجاز”؟
ما جرى في فندق أفانتي، لم يكن مجرد طرد عادي، بل كان مسلسلًا متسارعًا، وكأن الإدارة الجديدة كانت مستعجلة لإعلان “الزمن الجديد” للفندق عبر التخلص من الوجوه التي بنت المكان لسنوات.
عمال بقدم 10، 15، 20 سنة… وجدوا أنفسهم خارج أسوار الفندق في ظرف زمني مخجل، دون احترام للمساطر، ودون منحهم حتى فرصة الدفاع عن أنفسهم.
إنه نوع من الطرد الذي لا يراعي البشر، ولا يحترم الذاكرة المهنية، ولا يكترث للجانب الإنساني.
هؤلاء العمال ليسوا أرقامًا، بل عائلات، التزامات بنكية، أطفال في المدارس، مرضى يحتاجون للعلاج…
لكن الإدارة -على ما يبدو – كانت ترى فيهم عقبة أكثر مما تراهم رأسمالًا بشريًا.
من الفندق إلى المحكمة التجارية: حين يصبح القضاء آخر ملاذ
أمام هذا العبث، وأمام هذا النوع من “الاستثمار الغريب”، لم يجد العمال المطرودون سوى القضاء ملاذًا، فتوجهوا إلى المحكمة التجارية بالدار البيضاء، ليس بشكل فردي ولا متردد، بل بشكل جماعي ومنظم، وبنسق يحسب لهم:
-
بحضور محاميهم
-
وبحضور مراقب الأجراء
-
وبحضور مراقب الجمارك
-
وبحضور الممثل القانوني لمؤسسة البنك الشعبي
ليضعوا طلبًا واضحًا وقويًا:
فسخ اتفاقية البيع التي تمت عقب التصفية القضائية.
هذا الطلب ليس مجرد مناورة قانونية، بل هو اتهام مباشر بأن عملية البيع، كانت مشوبة بعيوب، وأن الإدارة الجديدة لم تحترم الشروط التي قبلت بها، وأن دفتر التحملات لم يكن سوى “تذكرة عبور” نحو التملك، لا وثيقة ملزمة.
القاضي المنتدب يتحرك… والإدارة مطالبة بالحضور
القاضي المنتدب المكلف بالملف لم يتأخر، وأصدر قرارًا بتبليغ الممثل القانوني للإدارة الجديدة للفندق، من أجل الحضور لجلسة الاستماع المقررة في 4 دجنبر المقبل.
هذه الدعوة ليست روتينية.
إنها بمثابة إنذار أولي:
تفضلوا إلى المحكمة…
وفسّروا للمغاربة:
لماذا لم تحترموا دفتر التحملات؟
ولماذا تم طرد العمال؟
ولماذا هذا التسرع؟
بين المال والعمل… ضاعت العدالة الاجتماعية
القضية اليوم ليست قضية فندق فقط، بل هي قضية نموذج:
نموذج لما يجري في المغرب حين يدخل مستثمر جديد، يرفع شعارات “التحديث” و”إعادة الهيكلة”، ثم يبدأ مشروعه، بإلغاء مناصب الشغل، في تناقض صارخ مع روح الاستثمار نفسه.
كيف يمكن لفندق أن ينهض دون عمّاله؟
كيف يمكن لتسيير جديد أن يحقق الجودة، وهو يبدأ بالتخلص من الأداة الرئيسية للجودة؟
إن ما يحدث يثبت مرة أخرى أننا نعيش في بيئة اقتصادية، حيث الأجير هو الحلقة الأضعف، وحيث تُستعمل التصفية القضائية كجسر للوصول إلى ممتلكات دون تحمل التزامات اجتماعية.
البنك الشعبي… حضور ليس بريئًا
وجود ممثل البنك الشعبي في هذا الملف يفتح باب التأويل:
هل هناك التزامات مالية مرتبطة بعملية البيع؟
هل هناك ضمانات لم تُحترم؟
هل كان البنك شاهدًا على دفتر التحملات؟
وهل تضرر بدوره من الإخلال بالالتزامات؟
الأسئلة كثيرة، والحقيقة أن هذا الحضور يزيد الملف ثقلًا، ويجعل جلسة 4 دجنبر جلسة حاسمة.
الخلاصة: العمال ليسوا مجرد تكلفة… بل جزء من هوية الفندق
فندق أفانتي لا يُبنى فقط بالجدران والمسابح والغرف.
إنه يُبنى بالوجوه التي تستقبل الزبائن، بالأنامل التي تعد الوجبات، بالأكتاف التي تحمل الحقائب، بالعقول التي تُسيّر الأقسام، وبالعمال الذين منحوا سنوات من حياتهم للمكان.
واليوم، والمستخدمون يقفون أمام القضاء التجاري، لا يطلبون المستحيل.
إنهم يطلبون شيئًا واحدًا: العدالة.
العدالة في احترام دفتر التحملات.
العدالة في احترام حقهم في الشغل.
والعدالة في أن لا يتحوّل الاستثمار إلى آلة لطحن البشر.




