الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

فوزي لقجع… من رجل يفهم في الكرة والأرقام إلى «رجل دولة»؟ ومن قال إن السياسة لا تعرف ضربات الجزاء؟

ضربة قلم

لا يمكن، بكل موضوعية، إنكار أن فوزي لقجع، أعطى دفعة قوية لكرة القدم المغربية.

هذه حقيقة، سواء أحببنا الرجل أو اختلفنا معه، وسواء كنا من أنصار مشروعه أو من الذين يعتقدون أن كرة القدم المغربية، أصبحت تحتاج إلى آلة حاسبة، أكثر مما تحتاج إلى صافرة حكم. فقد نجح الرجل في بناء صورة جديدة للكرة المغربية، ورفع سقف الطموح، وأدخل المنتخب الوطني إلى منطقة، لم يكن المغاربة يتجرؤون، قبل سنوات، على تخيلها إلا في الأحلام أو في مقاهي الأحياء، حيث يكون المنتخب دائماً مرشحاً للفوز بكأس العالم، قبل أن تبدأ المباراة بخمس دقائق.

فوزي لقجع يفهم في كرة القدم.

وهذه ليست تهمة.

يفهم في الأرقام.

وهذه أيضاً ليست جريمة.

يفهم في الزراعة.

لكنها، ليست مهنته الحالية.

ويفهم، كما يبدو، في السياسة، أو على الأقل في تلك المنطقة الرمادية، التي تلتقي فيها كرة القدم بالسياسة، وتلتقي فيها الأرقام بالصور، وتلتقي فيها النتائج بالاحتفالات، ثم يخرج الجميع في النهاية، ليؤكدوا لنا أن الأمر كله، كان مجرد تدبير عادي، وأن الصدفة وحدها هي التي جعلت الرجل يظهر في كل الملفات تقريباً.

لكن، ومع كامل الاحترام، علينا أن نكون قادرين على الفصل بين الأشياء.

أن تنجح في كرة القدم، لا يعني بالضرورة أنك أصبحت رجل دولة.

وأن تكون وزيراً لا يعني تلقائياً، أنك أصبحت رجل دولة.

وأن تنجح في تدبير مؤسسة رياضية، أو وزارة، أو ميزانية، أو حتى فريق لكرة القدم في الحي، لا يمنح صاحبه وحده شهادة عليا في الوطنية، ولا يجعله فوق النقد، ولا يحوله إلى شخصية تاريخية، بمجرد أن يصفق له الجمهور.

فـ«رجل الدولة» ليست مثل لقب هداف البطولة.

ولا تُمنح بقرار من لجنة الانضباط.

ولا تُحسم بضربة جزاء في الدقيقة التسعين.

بل إن رجل الدولة، في المعنى الحقيقي، هو الذي تُقاس قيمته، بما يتركه من أثر في الدولة والمجتمع، وبقدرته على تحمل المسؤولية، واحترام المؤسسات، والإنصات إلى النقد، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية والحزبية، وليس فقط بقدرته على الوقوف أمام الكاميرات، عندما يحقق المنتخب انتصاراً.

والغريب في الأمر أن كلمة «رجل دولة» أصبحت في السنوات الأخيرة، سهلة التداول إلى درجة مخيفة.

يكفي أن تكون قريباً من دائرة القرار، حتى تبدأ الأوصاف الكبرى، في النزول عليك مثل المطر.

مرة: رجل دولة.

ومرة: رجل المرحلة.

ومرة: رجل المهام الصعبة.

ومرة: رجل الملفات الكبرى.

وبعد ذلك، لا نعرف إن كان الشخص، قد أصبح بالفعل رجل دولة، أم أن المختصين في النفخ في البالونات، هم الذين قرروا أن يرفعوه إلى هذه المرتبة، ثم أصبح الجميع مضطراً إلى التصفيق، حتى لا يبدو، وكأنه يعارض الدولة نفسها.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:

ما الذي يجعل فوزي لقجع رجل دولة؟

هل هي كرة القدم؟

إذا كانت الإجابة نعم، فلدينا في العالم كله، آلاف المسؤولين الرياضيين، الذين ينبغي أن يحملوا لقب «رجال دولة»، بل ربما «حكماء الأمم المتحدة»، لأن بعضهم نجح في تسيير نادٍ أكثر، مما نجحت حكومات في تسيير دول.

هل هي الأرقام؟

إذا كانت الأرقام وحدها تصنع رجال الدولة، فعلينا أن نمنح لقب «رجل دولة» لكل محاسب بارع، ولكل مدير ميزانية، ولكل شخص يستطيع أن يقرأ جدولاً مالياً دون أن يصاب بالدوار. خصوصاً إذا كان قد مرّ، في وقت من الأوقات، من قرب مشاريع فلاحية ضخمة ابتلعت ميزانيات هائلة، ثم انتهت أموالها إلى حيث تنتهي عادةً الأموال حين تغيب الشفافية: في منطقة رمادية لا يعرف المواطن فيها أين بدأ الإنفاق، ولا أين انتهى.

هل هو المنصب الوزاري؟

إذا كان الأمر كذلك، فإن كل وزير يصبح رجل دولة، بمجرد أن يؤدي القسم، ثم يفقد اللقب، بمجرد أن يغادر الوزارة. وفي بلدنا، الذي يبدو أنه قرر تحطيم الرقم القياسي العالمي في عدد الحقائب الوزارية، حتى غدت تُوزَّع على الأحزاب كما تُوزَّع الحلوى على الأطفال، يصبح إنتاج «رجال الدولة» عملية شبه صناعية. وهكذا، لا تعود الدولة بحاجة إلى انتظار عقود، حتى تصنع رجلاً واحداً من طينة رجال الدولة، بل تنتجهم بالجملة، مثلما تنتج بعض الإدارات الوثائق: نسخة أصلية، ونسخة طبق الأصل، ونسخة احتياطية… وربما نسخة إضافية تحسباً لتعديل حكومي جديد.

ثم إن فوزي لقجع، الذي كان يُقدَّم لنا طوال سنوات باعتباره رجلاً تقنوقراطياً، بعيداً عن السياسة الحزبية، وجد نفسه اليوم داخل حزب الأصالة والمعاصرة، عضواً في مكتبه السياسي، بعد أن كانت الأخبار المتعلقة بالتحاقه بالحزب، قد نُفيت قبل أسابيع.

وهنا لا توجد مشكلة في حد ذاتها.

فالانتماء إلى حزب سياسي حق مشروع.

والانتقال من الإدارة إلى السياسة أمر عادي.

والاشتغال في الرياضة، لا يمنع ممارسة السياسة.

بل إن السياسة، في الأصل، ليست عيباً حتى نبحث عن طريقة لتجميلها.

المشكلة، تبدأ عندما نريد أن نُقنع الناس، بأن السياسي ليس سياسياً، وأن رجل الحزب ليس حزبياً، وأن المسؤول الذي يلتحق بمكتب سياسي، لا علاقة له بالسياسة، وأن كل شيء مجرد «كفاءة وطنية» نزلت من السماء، لتساعد الحزب على تجاوز الانتخابات.

هنا فقط تبدأ الكوميديا.

لأن الحزب، في هذه الحالة، لا يقول: لقد استقطبنا شخصية سياسية أو تقنية لها وزنها.

بل يقول: لقد استقطبنا كفاءة.

وكأن الانضمام إلى حزب سياسي، يشبه الانضمام إلى جمعية آباء وأولياء التلاميذ.

وكأن المكتب السياسي، ليس مكتباً سياسياً، بل مكتب استشارات في التنمية البشرية.

لكن لا بأس.

فلنترك الحزب يفرح بالوافد الجديد، ولندع فوزي لقجع، يمارس حقه في الانتماء السياسي، ولنترك للمواطن حقه في طرح الأسئلة.

فليس من حق أحد أن يطلب من المغاربة، أن يتوقفوا عن التفكير لمجرد أن المنتخب فاز.

وليس من حق أحد أن يقول لهم: بما أن المغرب، حقق نتائج كروية مهمة، فعليكم أن تصمتوا عن كل شيء آخر.

فالمنتخب شيء.

والميزانية شيء آخر.

والصحة شيء ثالث.

والتعليم شيء رابع.

والحكامة شيء خامس.

والمواطن، للأسف، لا يستطيع أن يعالج ابنه، بهدف في مرمى منتخب أجنبي، ولا يستطيع أن يشتري دواءه، بتصنيف الفيفا، ولا أن يدخل مستشفى ببطاقة المشجع.

نعم، البنية التحتية الرياضية مهمة.

ونعم، الملاعب الحديثة والمراكز الرياضية، يمكن أن تخدم صورة المغرب، وتساعد على جذب الاستثمارات والسياحة، وتمنح البلاد إشعاعاً دولياً.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه، دون الحاجة إلى صافرة حكم:

كم كلفتنا هذه الصورة؟

وكم كلفتنا المشاريع؟

وكم كلفتنا الميزانيات؟

ومن يراقب؟

ومن يسأل؟

ومن يشرح للمواطن، لماذا يصبح ملعب كرة القدم، أحياناً أكثر لمعاناً من مستشفى عمومي؟

لا أحد يعترض على تطوير الرياضة.

لكن المواطن الذي ينتظر موعداً طبياً، أو يبحث عن طبيب، أو يقف أمام مستشفى، قد يتساءل، وبكل براءة:

هل يمكن أن نضع قليلاً من العشب الاصطناعي في قاعة الانتظار؟

هل يمكن أن نركب شاشة عملاقة في قسم المستعجلات؟

هل يمكن أن نمنح الطبيب مكافأة، بعد كل عملية ناجحة، مثلما يحصل اللاعب بعد كل انتصار؟

طبعاً، هذه سخرية.

لكنها سخرية نابعة من واقع حقيقي: الدولة لا يمكن أن تختار بين الرياضة والصحة، ولا بين الملاعب والمستشفيات، ولا بين الصورة الخارجية والكرامة الداخلية.

المغرب يحتاج إلى الاثنين.

يحتاج إلى ملاعب جميلة، نعم.

ويحتاج أيضاً إلى مستشفيات، لا تجعل المواطن، يشعر بأنه دخل مؤسسة “السيديجي”، أو إلى مباراة إقصائية، ضد المرض والانتظار والبيروقراطية.

يحتاج إلى بنية تحتية رياضية قوية.

ويحتاج إلى بنية اجتماعية، لا تنهار عند أول أزمة.

يحتاج إلى منتخبات تفوز.

ويحتاج إلى مواطنين، يشعرون بأنهم فائزون أيضاً.

أما أن يصبح كل نجاح رياضي، جواز سفر إلى مرتبة «رجل دولة»، فهذه قصة أخرى.

فلو كان الأمر بهذه السهولة، لكان كل من سجل هدفاً، في نهائي كبير، مرشحاً لرئاسة الحكومة.

ولكان المدرب الذي فاز ببطولة، مؤهلاً لقيادة وزارة الداخلية.

ولكان حارس المرمى، بحكم قدرته على التصدي، أفضل وزير للمالية، لأنه يعرف كيف يمنع التسرب.

ولكان المهاجم وزيراً للاستثمار، لأنه يعرف كيف يصل إلى الهدف.

ولكان الحكم وزيراً للعدل، لأنه يرفع البطاقة الحمراء عند الحاجة.

وبما أننا نتحدث عن الألقاب، فإن هناك درساً أخلاقياً مهماً في كل هذه الحكاية.

لا ينبغي أن نخلط بين الشخص ومن حوله.

ولا بين الزوج وزوجته.

ولا بين العائلة والانتماء السياسي.

ولا بين القرب من شخصية سياسية وبين العضوية في حزب.

فحتى لو كانت زوجة مسؤول ما، تنتمي إلى حزب معين، فإن ذلك لا يجعل الزوج منتمياً إليه تلقائياً، والعكس صحيح. الإنسان مسؤول عن اختياراته السياسية، لا عن اختيارات شريكه أو عائلته.

وهذا درس بسيط، لكنه يبدو صعباً في زمن أصبحت فيه، السياسة تُمارس أحياناً، بمنطق شجرة العائلة:

هذا مع فلان، إذن هو مع الحزب.

وهذه زوجة فلان، إذن هي مع التنظيم.

وهذا صديق فلان، إذن هو مشروع مرشح.

وهذا ظهر في صورة جماعية، إذن حصل على بطاقة العضوية.

وبعد ذلك، نكتشف أن السياسة، لم تعد تحتاج إلى مناضلين، بل إلى مصورين جيدين ومحللين عائليين.

أما فوزي لقجع، فله أن يدخل السياسة، وله أن يختار الحزب الذي يريده، وله أن يدافع عن اختياراته، وله أن ينجح أو يفشل سياسياً، كما ينجح أو يفشل أي سياسي آخر.

لكن لحظة دخوله إلى السياسة، يصبح من حق المواطنين أن يسألوه سياسياً.

لا أن يظلوا يتعاملون معه فقط، باعتباره رئيس الجامعة.

ولا أن يحصل على حصانة معنوية، بسبب إنجازات كرة القدم.

فالرجل الذي دخل السياسة، يصبح سياسياً.

والسياسي يُسأل عن مواقفه.

ويُحاسب على اختياراته.

ويُناقش في قراراته.

ولا يمكن أن نقول له: أنت رجل كرة القدم، عندما نريد مدحه، وأنت رجل الميزانية عندما نريد تبرير قراراته، وأنت رجل دولة، عندما نريد إضفاء ضبابية على النقد، ثم نعود إلى اعتباره مجرد تقني، عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية.

هذه ليست دولة مؤسسات.

هذه دولة الألقاب المتحركة.

لقب حسب المناسبة.

وصفة حسب الجمهور.

وخطاب حسب النتيجة.

وفي النهاية، نعم، يمكن أن نقول إن فوزي لقجع، نجح في تقديم نموذج جديد لتدبير كرة القدم المغربية، وأنه ساهم في رفع مستوى الطموح الرياضي، وأنه يعرف جيداً كيف يتعامل مع الأرقام والملفات الرياضية والإدارية. كما أن رئاسته للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، واشتغاله في مجال الميزانية موثقان، وهو اليوم عضو في المكتب السياسي، لحزب الأصالة والمعاصرة -الذي كان قد أسسه فؤاد عالي الهمة-، وفق الإعلان الصادر في 25 يوليوز 2026.

لكن بين النجاح الرياضي ورجل الدولة مسافة.

وبين المنصب والتاريخ مسافة أكبر.

وبين التصفيق والتقييم الحقيقي مسافة، لا تقطعها حتى أسرع الأجنحة في المنتخب الوطني.

أما الدولة، فلا يصنعها لقب صحفي، ولا صورة جماعية، ولا مكتب سياسي، ولا انتصار كروي، ولا ميزانية ضخمة.

الدولة يصنعها العمل.

ويصنعها احترام المواطن.

ويصنعها العدل.

ويصنعها المستشفى الذي يعالج، والمدرسة التي تعلم، والإدارة التي تحترم، والملعب الذي يفرح الناس، دون أن يتحول إلى ذريعة لنسيان كل ما عدا ذلك.

فوزي لقجع قد يكون ناجحاً في كرة القدم.

وقد يكون بارعاً في الأرقام.

وقد يكون الآن سياسياً حزبياً.

أما لقب «رجل دولة»، فليتركه الزمن يقول.

فالزمن، بخلاف بعض المكاتب السياسية، وبعض البرامج الرياضية، لا يملك مصلحة في المجاملة.

وإذا كان الرجل يفهم في الأرقام، فليكن أول من يفهم هذه المعادلة:

الإنجاز لا يلغي السؤال، والنجاح لا يلغي النقد، والكرة لا تلغي الدولة، واللقب لا يصنع التاريخ.

وبالنسبة لمن يريد أن يمنح فوزي لقجع، لقب «رجل دولة» اليوم، فله كامل الحق في ذلك.

لكننا نرجو فقط أن يخبرنا:

هل اللقب جاء مع قرار الانضمام إلى المكتب السياسي، أم كان محفوظاً له منذ أول هدف سجله المنتخب؟

لأننا، في المغرب، أصبحنا نخشى، أن يأتي يوم يُعلن فيه عن تشكيل حكومة جديدة، فنجد فيها:

وزير الدفاع: مدافعاً سابقاً.

وزير المالية: حارس مرمى.

وزير الداخلية: لاعب وسط دفاعي.

وزير الصحة: طبيب الفريق.

ورئيس الحكومة: مدرباً وطنياً.

أما فوزي لقجع، فسيكون بالطبع…

رجل دولة.

والله أعلم، هل لأن الدولة ربحت المباراة، أم لأن المباراة ربحت الدولة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.